الحرية لعلي أنوزلا

الأحد، 8 يوليو 2012

خلف الأسوار -ج12


لمن فاتته الأجزاء السابقة، إليكم روابطها:


************************



اعتدل وكيل النيابة واقفا، ثم قال:
"سيدي القاضي، أيها السادة المحلفون، إن هذا الشخص الماثل أمامكم لهو خير مثال على أن المعاملة بالحسنى لا تنفع مع من هم مثله. هذا المتهم، من دولة عربية، قدم إلى بلدنا، حسب قوله، من أجل أن يساهم في تقدمها، وطبعا في تحسين وضعيته، إلا أن نيته كانت عكس ما كان يدعي.. أراد أن يخرّب اقتصادنا ويجعلنا نتخلف مثل تخلف دولته".
هنا قاطعه محامي كريم قائلا:
"أعترض، ما دخل ما قال السيد وكيل النيابة مع ما نحن بصدده من اتهامات باطلة موكلي بريء منها؟!".

قَبِلَ القاضي اعتراض محامي الدفاع، وطلب من وكيل النيابة العامة أن يدخل إلى صلب الموضوع.
علت ابتسامة ساخرة من فم وكيل النيابة وهو ينظر إلى محامي الدفاع، ثم قال موجها كلماته إلى  القاضي والمحلفين:
"المتهم المدعو بكريم، يشغل حاليا منصب المسؤول عن نظم الحماية الالكترونية في شركة "أنفورماتيكا للأسهم"، وهو بهذا، يمكنه أن يطلع على حسابات عملاء الشركة بكل سهولة لخبرته في مجال المعلوميات".
اعترض مرة أخرى محامي كريم مرافعة وكيل النيابة، واعتبر كلامه إيحاءات لا أساس لها من الصحة. لكن واصل النائب العام كلامه: "ما أريد أن أقوله، سيدي القاضي، حضرات السادة المحلفون، هو أن السيد كريم ساهم في سرقة بعض عملاء الشركة، وذلك بمد جهة أجنبية بأرقام حسابات هؤلاء المستثمرين، مما كان له الأثر السلبي على رصيدهم وحصصهم في الشركة".
هنا، طالب محامي الدفاع الكلمة من القاضي، فأعطاه الإذن.
"سيدي القاضي، حضرات السادة المحلفون، موكلي السيد كريم، هو مثال للشباب الشرفاء، الذين لا يدخرون جهدا في سبيل تحقيق أحلامهم بكل نزاهة. دخل إلى بلدنا من أجل تحسين وضعيته المعيشية، وأيضا من أجل اكتساب مهارات جديدة يفيد بها بلده المضيف، وهذا ما كان. والملف الذي قدّمته لكم، سيدي القاضي، به أدلة دامغة على أن موكلي لا علاقة له بتلك السرقة التي اتهم بها زورا وبهتانا.
سيدي القاضي، السيد كريم، موظف بالشركة ما يقارب السنتين، وخلال هاته المدة القصيرة قام بما لم يقم به أقرانه منذ سنوات، فهو كان السبب في إحباط العديد من محاولات التسلل لأنظمة الشركة وسرقة معلوماتها السرية، وبفضل أعماله هاته، تمّت ترقيته إلى المسؤول الأول عن الحماية. فلو كان ما يقوله، السيد النائب العام، صحيحا، لما تكلّف موكلي عناء الحماية، ولسرّب ما يمكن تسريبه من معلومات إلى أطراف أجنبية، كما يدّعي السيد ممثل الحق المدني، بكل سهولة، وبدون أن يترك أدنى أثر لفعلته".
بعد سماع مرافعة محامي الدفاع، أعطى القاضي الكلمة للنائب العام من أجل تقديم دليل الاتهام، فكان جواب هذا الأخير:
"سيدي القاضي، الدليل الذي نقدمه بين يديك، هو عبارة عن ترصد الجهاز الذي تمّ تسريب المعلومات من خلاله. وبعد البحث والتحري، واستجواب الشهود، تبين لنا، الجهاز الذي كان محور العملية برُمّتها هو في حوزة السيد كريم، المتهم في هاته القضية.
لقد استدعينا خيرة خبراء الحماية والتجسس المعلوماتي، حيث قاموا بتتبع عناوين (IP) حواسيب الشركة بأكملها، ووجدوا أن التسريب خرج من جهاز المتهم. وقد أكد لنا الموظفون الذين يشتغلون مع المتهم في مكتبه بأنه الوحيد الذي يجلس على ذاك الجهاز، ولا أحد يقربه بتاتا".
بعد أن أنهى وكيل النيابة مرافعته، خرج المحلفون للمداولة وتقييم الوضع من أجل النطق بالحكم. في تلك الأثناء، كانت مارية وأحمد تراقبان كريم من الخلف، وكل واحد منهما يرجو من الله أن يلهم المحلفين الرشد والحكمة كي يبرؤوا صديقهم من التهمة الباطلة. وهما على تلك الحال، إذ بكريم ينظر خلفه ليجدهما ينظران إليه بدورهما، فابتسم لهما، وقال:
"شكرا لك مارية، وأنت يا أحمد، على مساندتكما لي في هذا الموقف العصيب، وإن شاء الله ستظهر حقيقة براءتي، حتى وإن  تم الحكم علي، فربما هو خير لي، وسأكون راضيا بقضاء الله وقدره".
انتفضت مارية، دون وعي منها، لكلماته، وقالت بصوت يكاد يكون مرتفعا: "كيف تقول: حتى وإن تم الحكم علي،  فهو خير لي؟؟ وكيف يكون الله قدر لك هذه المصيبة؟؟"
"عزيزتي مارية، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ. إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ".
كلام كريم، لجم لسان مارية، فلم تجد بدا من البكاء لعجزها عن الوقوف إلى جانبه في محنته.
بينما هما على هذه الحال، إذ بالحاجب يقول:
"محكمة"
فوقف الجميع احتراما لدخول القاضي والمحلفون للقاعة، ثم أشار القاضي للجميع بالجلوس، بعد ذلك توجه للمنتدب عن المحلفين، وقال له:
"هل اتخذتم قرارا بخصوص الحكم؟"
أجابه المحلف المنتدب:
"نعم سيدي القاضي"
وقف الجميع، وحُبِست الأنفاس، وارتفعت دقات القلب لدى كل من كريم ومارية وأحمد، وهم ينتظرون النطق بالحكم، ثم قال المحلف:
"بعد سماع مرافعات كل من السيد النائب العام، ومحامي الدفاع، وما عايناه في ملفات القضية، وجدنا أن المدعو كريم متهم بتهمة تسريب معلومات عملاء شركة أنفورماتيكا للأسهم".
تهاوى كريم على مقعده متهالكا وهو لا يصدق الحكم، وانهارت مارية بالبكاء الشديد، وأخذ أحمد يلعن الجميع لأنه متأكد من براءة صديقه، إلا أن القاضي أوقفه بشدة، وقال له:
"إن لم يعجبك الحكم، فما عليك سوى مغادرة القاعة، وإلا قمنا بسجنك أنت أيضا".
توقف أحمد عن الاحتجاج، وجلس صاغرا في مقعده، ونظر إلى مارية بشفقة، ومد لها منديلا كي تجفف دموعها، ثم أتت الصدمة الثانية، حيث حكم القاضي على كريم بالسجن مدة أربع سنوات نافذة، فما كان من مارية إلا أن أغمي عليها.
لم يستطع كريم النوم في أول يوم بالسجن المركزي لروما، فقد كانت مسيرة حياته تمر بمخيلته بسرعة، وتتهاوى أحلامه الواحدة تلوى الأخرى، واستقرت صورة سعاد في مخيلته وهي تنتظره أن يبشرها باستقراره واستعداده للزواج بها، فذرف دمعة وهو يخاطبها كأنها أمامه:
"اعذريني حبيبتي، كان بودي أن أبشرك بأني استقررت، وأن زواجنا بات وشيكا، لكن مشيئة الله كانت أقوى، ولا راد لقضائه سبحانه. أعلم أني ظلمتك بانتظارك لي، وأني حرمتك من أسعد سنوات عمرك، لكن الآن أنا عاجز، وإن وجدت السعادة مع غيري، فلن أغضب أو أحزن، بل العكس، سأكون سعيدا بدوري، لأن الحبيب يتمنى دوما سعادة محبوبته كيفما كانت الظروف أو النتائج".
أخيرا، تسلل النوم إلى جفنه، فافترش الأرض وغط في نوم لم يكتمل لأن سجّانه أيقضه بغلظة وقال:
"استيقظ، لقد حان وقت النداء الصباحي".
استيقظ كريم وهو يغالب نومه، وتوجه نحو العنبر الرئيسي ووقف مع باقي المساجين في طابور طويل، وانتظر سماع اسمه، إلا أنه سمع عوضا عنه رقم دخوله للسجن "511"، فقال:
"السجين رقم 511 حاضر".
ثم عاد للصف مرة أخرى.
بعد الانتهاء من حصة النداء، توجه كافة السجناء نحو قاعة كبيرة لأكل وجبة الإفطار، وبما أن كريم سجين جديد، كانت الأنظار كلها متجهة نحوه، وتعليقات هنا وهناك تدور حوله، هناك من كان يقول: "لقد قتل زوجته"، وآخرون يقولون: "لقد سرق بنكا"، إلى غير ذلك من الإشاعات التي كان يطلقها السجناء عند رؤيتهم لأي وافد جديد إليهم.
أخذ كريم يقلب ناظريه عله يجد طاولة فارغة يجلس فيها كي يأكل فطوره المتواضع، إلا أن الجميع كان يرفض الجلوس معه، ما عدا أحد السجناء، كبار السن، أشار إليه بيده وابتسامة تعلو محياه، فدعاه لمشاركته الطاولة.
شكره كريم على كرمه ولطفه، وجلس يأكل طعامه..
و
يتبع..