الحرية لعلي أنوزلا

الأحد، 29 أبريل 2012

خلف الأسوار-ج2


أخرجت، سعاد، زغرودة من حلقها فرحا، فاستدار كل من في مقهى النت نحوها والدهشة والاستغراب تعلو وجوههم، فاحمَرّت وجنتاها خجلا من تصرفها اللا إرادي، وقالت للجميع: "أخيرا حصل كريم على عقد عمل". هلّل الكل وصفقوا فرحا بهذا الخبر السار، وأخذوا يصافحون كريم مهنئين، فقد عاشوا معاناته وخبروها جيدا من خلال هذا المقهى الذي جمعهم لسنوات.
بعد تلقيه للتهاني خرج كريم ممسكا بيد حبيبته سعاد، وتوجها مباشرة إلى منزله ليبشر والديه. تركته سعاد واقفا أمام الباب، وذهبت هي الأخرى لمنزلها لتبشر والديها بهذا الخبر السار. طرق كريم باب منزله وهو يحاول كبت انفعاله وفرحه حتى يفجرهما في وجه والديه اللذان عانى معه سنوات بطالته.. فتحت أمّه الحاجة خديجة الباب، فاستغربت من عودة ابنها باكرا للمنزل، وهي التي تعودت مكونته في مقهى النت مدة طويلة، وقالت: "بني، ليس من عادتك العودة باكرا للمنزل، ماذا هناك؟ هل حدث خطب ما؟"
أجابها كريم، وهو يجاهد كي لا تخرج تلك الابتسامة والفرحة لتفسد عليه رؤية وقع الخبر على محيا والده ووالدته، قائلا: "أين أبي؟ أريد أن أراه".
"والدك ذهب للصلاة في المسجد، سيعود بعد قليل.. أخبرني بني، أهناك أمر جلل حدث ونحن لا نعلمه؟".
"صبرا يا أمي إلى أن يأتي والدي".
انطلقت غريزة الأنثى عند الحاجة خديجة، وأخذت تضرب أخماسا في أسداس، وتحاول معرفة ما يخفيه ابنها. قفزت إلى مخيلتها أنه ربما تورط في شيء لا يريد إخبارها به لذلك يسأل عن والده كي يخرجه منها. فسألته جَزِعَة:
"هل تورطت في أمر خطير ولا تريدني أن أعلم بذلك؟".
"بالله عليك يا أمي.. ما هاته الأفكار السوداوية التي أنتجتها مخيلتك.. انتظري حتى يأتي والدي وستعرفين كل شيء".
ما إن أنهى كلامه حتى سمع باب المنزل يفتح ويدلف والده، ذو الستين ربيعا، بقامته الرفيعة ولحيته البيضاء التي أضفت عليه هيبة ووقارا، داخله وهو يقول: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته". لم تكد تراه الحاجة خديجة حتى أسرعت إليه وهي تقول: "أحمد، أظن أن ابنك تورط في أمر خطير ولا يريد إخباري".
علت الدهشة الحاج أحمد من كلام زوجته، وارتسمت على وجهه أمارات الغضب، فتغيرت نبرة صوته وهو يسأل ابنه:
"كريم، ما الذي فعلته بالله عليك".
"أبتاه لم أفعل شيئا، أقسم لك".
"هل تقول أن والدتك تكذب علي؟؟".
"لم أقل ذلك يا والدي، بل هي التي تخيلت وساوس لا أساس لها من الصحة".
آنذاك خفّت حدة صوت الحاج أحمد وقال:
"إذن يا بني أوضح لنا المسألة".
"والدي، لم أشأ أن أخبر والدتي إلا وأنت موجود بقربها".
"هيا.. أخبرنا بني، فقد بدأ صبرنا ينفذ".
"لقد وصلني عقد عمل من إيطاليا".
خرجت زغرودة طويلة من فم الحاجة خديجة، وضم الحاج أحمد ولده وقال:
"أخيرا يا بني.. أخيرا".
"نعم يا والدي، أخيرا سأودع هاته البطالة اللعينة وألج عالم الشغل".
لم تمض ساعة على إخبار كريم والديه بحصوله على عقد عمل في الخارج، حتى توافد سكان الزقاق الذي يعيش فيه إلى بيته مهنئين.
تسللت أشعة الشمس الدافئة من نافذة غرفة كريم لتداعب خده، فاستيقظ، على غير عادته، باكرا وبنشاط افتقده منذ زمن بعيد. تناول فطوره على عجل، وخرج ترافقه دعوات والديه، متوجها إلى  السفارة الإيطالية كي يكمل أوراقه.

يتبع..

هناك 8 تعليقات:

  1. عبدو تفالي29 أبريل 2012 9:55 م

    قصة جميلة أخي ،فأنت دائما مبدع

    ردحذف
  2. بالله عليك يا أخي خالد أن لا تخبرنا بشيء أسوأ, و الله اني أكتب و الفرحة تغمرني هههههه عشت مع القصة بكل وجداني فلا تخيبني بلييييييييزززززز

    ردحذف
  3. الأجمل في القصة هو وصف المشاعر و المواقف بجمالية و بدقة لا توصف تجعل الشخص يتعايش معها بكل وجدانه و ينسى نفسه أنه أمام الكومبيوتر

    ردحذف
  4. عندك غير اكون كيحلم، وفي النهاية اتبخر كلشي :)
    سرد مميز كما العادة، أنتظر الحلقة الثالثة.

    ردحذف
  5. لم احس ان الفرحة لن تكتمل ، لا أدري أتمنى فعلا أن يفوز بالعمل ولو في بلاد أخرى
    بوركت اخي خالد
    وفي انتظار التتمة

    ردحذف
  6. بين الفرحة التي أجدها بين السطور و الحزن الذي يعتري العنوان لا أملك إلا أن أبحث عن جواب لحيرتي في بقية الحلقات ..

    و قبل ذلك لا أنسى أن أحييك على طريقة سردك الرائعة .. دمت متألقا أخي خالد

    ردحذف
  7. السلام عليكم..
    رااااائعة.
    متابع بشوق.. أنتقل فورا للجزء الثالث لقراءته.
    تقبل تحياتي..

    ردحذف
  8. قرأت الجزء الثالث قبل الثانى
    وانتظر الان الجزء الرابع
    تحياتى

    ردحذف