الحرية لعلي أنوزلا

الجمعة، 11 مايو 2012

خلف الأسوار -ج4


لمن فاتته الأجزاء السابقة، إليكم روابطها:

**********

في بيت كريم، كانت الحاجة خديجة تمشي في الصالة ذهابا وإيابا وهي تفرك أصابعها، وبين الفينة والأخرى ترفع بصرها إلى الأعلى وتدعو الله أن يوفق ابنها في اجتياز المقابلة على خير. وفي المقابل، كان والده يجلس على كرسيه صامتا، لكن بداخله تعتريه أحاسيس وانفعالات جياشة تمتزج بين الأمل وبين الخوف، ونظراته تتابع زوجته، ثم أخرج زفرة حاول من خلالها التخلص من انفعالاته وقال لزوجته:
"كفاك يا امرأة السير هنا وهناك، فقد أتعبت نظري، ورجلاك لا يحتملان المشي كثيرا".
"ماذا أفعل يا حاج، وقلبي مشوش على ابني".
"لا تخافي ولا تجزعي، فابننا سيحسن التصرف إن شاء الله".
"إن شاء الله، وهذا ما أأمله".
ثم جلست قرب زوجها، وأخذا معا ينظران نحو الباب وقلوبهما تنبض بشدة، وفجأة استدار مزلاج الباب ودلف كريم، فقام والديه معا دون أن ينطقا ببنت شفة، وفي داخلهما تعالت الانفعالات. نظر إليهما كريم، ثم ابتسم، وقبّل يد والده ورأس والدته، ثم قال:
"الحمد لله، لقد مرّت المقابلة على خير، وإني على يقين، إن شاء الله، أن ملفي سيتم قبوله".
على هاته المقولة، خرجت من والديه زفرة ارتياح، وقالا معا:
"الحمد لله".
مرّ أسبوع على المقابلة، وفي صبيحة يوم الخميس تلقى كريم اتصالا من السفارة الإيطالية يطلبون منه المجيء. لبس أحسن ما لديه من ثياب، وخرج ترافقه دعوات والديه، ثم توجه نحو السفارة بثقة.
انتظر دوره كالمعتاد أمام باب السفارة، ثم بعد ذلك دلف للداخل، حتى نودي عليه ليقابل تلك السيدة التي أجرت معه المقابلة أول مرة. حيّاها بابتسامة ودودة، فردّت عليه التحية بالمثل، ثم دعته للجلوس. جلس وهو ينظر إليها مباشرة وتساؤلات عديدة تدور في رأسه، وبدأت هواجس تلوح في الأفق، استفاق منها على كلام السيدة وهي تعبث بملفه بأناملها، قائلة:
"سيد كريم، بعد دراسة ملفك بروية وتمعن من قبل مختصّينا، قرّرنا أن نمنحك تأشيرة للذهاب لبلدنا، فهنيئا لك، ونأمل أن تكون مواطنا صالحا هناك".
احتبست الكلمات في حلق كريم، ولم يدر بما يجيب، سوى أنه قام وصافح السيدة بشدة، ودموع الفرح تنهمر من عينيه وهو يقول:
"الحمد لله.. الحمد لله، شكرا لك سيدتي.. شكرا لك كثيرا".
انصرف غير مصدّق ما سمعه، واستقل أول سيارة أجرة متوجها مباشرة نحو المنزل. أخذ يدق الباب كأنما يدق طبلا تحت إيقاع موسيقي، فهرولت والدته لتفتح وهي تقول:
"حسبك يا من بالباب"، لم تكمل الجملة حتى وجدت ابنها يضمها إليه بحنان، ويقبّل يديها ورأسها.. على هول المفاجأة لم تنطق والدته بأية كلمة، لكن بداخلها علمت أن مجيئه بهاته الطريقة ينبئ بخبر سار. كان حدسها على صواب عندما أخبرها كريم بمجريات المقابلة الثانية، فصدحت من حلقها زغرودة طويلة وهي تقول: "الحمد لله.. الحمد لله"، ثم هرعت مسرعة نحو والده الذي كان يستعد للذهاب للمسجد، وهي تقول: "يا حاج.. يا حاج.. لقد منحت السفارة الإيطالية ابننا تأشيرة الذهاب".
عند سماعه هذا الخبر، علت ابتسامة وجه الحاج أحمد وقال: "الحمد لله، أخيرا سيهنئ ابننا بالسعادة التي حُرم منها زمنا طويلا".
ثم توجه نحو كريم وضمّه إليه بحنان وهو يقول: "هنيئا لك بني.. ستدخل عالم الشغل والمسؤولية من أوسع أبوابها".
"سأكون عند حسن ظنكم أبتاه"، هكذا أجاب كريم وهو يبتسم ويقبل يدي والده. ثم استأذنهما للذهاب عند حبيبته ليبشرها بالخبر أيضا.
التقى كريم بسعاد في إحدى المقاهي الشعبية على ضفاف نهر وادي أبي رقراق، جلسا وكل واحد مقابل الآخر ينظران تارة للنهر، وتارة أخرى لبعضهما البعض. أمسك كريم يد سعاد برقة وقال لها وهو ينظر إلى عينيها مباشرة:
"حبيبتي.. لقد تم قبول ملفي للذهاب لإيطاليا".
"ياااااااه.. ألف مبروك عزيزي.. أخيرا حلمك.. أقصد حلمنا سيتحقق".
"نعم يا مهجة القلب.. سنحقق كافة أحلامنا".
"إن شاء الله".
 ثم تغيرت نبرة سعاد، لينخفض صوتها ويترقرق الدمع في عينيها، وهي تقول:
"متى ستقلع طائرتك؟"
أجابها كريم وهو يغير مكانه ليقترب منها:
"بعد عشرة أيام من الآن".
"ياااااه.. أ بهذه السرعة ستغادر؟؟ أخاف أن تذهب إلى هناك وتنساني، وتنسى كل ما كان بيننا".
"ماذا تقولين يا حمقاء.. وهل يستطيع شخص أن ينسى هذا الجمال، وهذا القمر الساطع في وضح النهار، فما بالك بالليل.. أبدا.. أبدا، ستبقى صورتك محفورة في القلب والذاكرة".
"الكل يقول هذا الكلام لمحبوبته، وفور مغادرته للديار ويلتقي بفتيات الغربة، ينحرف قلبه مائة وثمانون درجة، فلا يعد يتذكر حبيبته ولا يراسلها".
"بالله عليك، كلكن هكذا.. لا تتقن في محبوبكن حتى ولو أقسم بأغلظ الأيمان أنه لن يخون حبكن".
"هذه هي الحقيقة.. أليس كذلك؟؟"
"لا، حبيبتي، ليست هي الحقيقة. الحقيقة أني أحبك مادام هذا القلب –ووضع يده على قلبه- ينبض، ومادامت رئتاي تتنفس عطرك، فلا تخافي ولا تحزني".
على هذا الكلام، ارتاحت سعاد، ودعت له بالتوفيق في مشواره الجديد، وذكرته بأن يراسلها كلما سنحت له الفرصة، فوعدها بذلك، وعادا تعلوهما الابتسامة إلى حيهما.
مرت العشرة أيام بسرعة، وها هو كريم يَصْحبُه والداه وحبيبته إلى مطار محمد الخامس بمدينة البيضاء. وقف الجميع في بهو المطار، وأخذ كريم يفحص جواز سفره وتذكرته، ويراقب شاشة المطار ليتأكد من موعد الرحلة المتوجهة نحو إيطاليا. سمع صوت سيدة تقول عبر مكبر للصوت: "المرجو ممن سيسافر عبر الرحلة رقم 353 والمتوجهة نحو إيطاليا، أن يتوجه الآن نحو الممر رقم 4".
خفقت قلوب عائلة كريم وحبيبته، فنظر إليهم
و
يتبع..