الحرية لعلي أنوزلا

السبت، 26 مايو، 2012

خلف الأسوار -ج6



لمن فاتته الأجزاء السابقة، إليكم روابطها:


***********

فتح الباب وهو يُحدّث نفسه عن احتمالية رجوع السيد أنطونيو ليخبره بأمر نسيه، لكن كانت مفاجأته أن رأى شخصا آخر، طويل القامة، أسود الشعر، أسمر البشرة، يرتدي بذلة رياضية، ويحمل في يده قالب حلوى، وبجانبه شاب آخر بعينين داكنتين، وشعر أشقر، تقريبا في مثل طوله وسنه، ويرتدي قميصا وسروال جينز. ابتسما له بود، فبادلهما الابتسام، وقبل أن يسألهما عن ماهيتهما، وما سبب هاته الزيارة المفاجأة، قال له صاحب البشرة السمراء باللغة الإيطالية:
"نعتذر عن إزعاجك في مثل هذا الوقت، علمنا منذ ليلة أمس أن موظفا جديدا سيستقر بيننا هنا، فأردت أنا وصديقي الترحيب بك".
"شكرا لكما على ذوقكما، لكن هل بإمكاني أن أعرف من أنتما؟"
"طبعا.. يا لغبائي، كان علي أن أقدم نفسي أولا. اسمي أحمد مهندس في نفس الشركة التي ستعمل بها، وجارك في هاته الإقامة، وهذا زميلي سيلفيو محاسب في نفس الشركة أيضا، وجارك كذلك".
صافحهما كريم وهو يُعرّف بنفسه أيضا:
"اسمي كريم من المغرب، أتيت اليوم إلى هنا من أجل العمل في شركة أنفورماتيكا للأسهم المالية وفق عقد عمل لمدة خمس سنوات".
بعد انتهاء التعارف، دعاهما للدخول، وهو يقول: "تفضلا، رغم أني لم أرتب أغراضي بعد، فقد وصلت توا".
دخلوا جميعا لغرفة الضيوف، ثم وضع أحمد قالب الحلوى في مائدة تتوسط القاعة، فقال لهما كريم: "سأعد الشاي حتى نتناول الحلوى معا، ونكون بذلك قد "أكلنا العيش والملح"، كما نقول نحن العرب" فضحك، وضحك معه ضيفاه.
شرب الجميع الشاي، وأكلوا الحلوى، ثم ودّعاه على أمل اللقاء في فرصة أخرى، وقال له سيلفيو وهو يغادر مع صديقه:
"سنتركك الآن لترتاح، ومازالت الأيام بيننا، سنتعارف فيها أكثر".
"إن شاء الله، ومع السلامة".
ثم أغلق كريم الباب، وذهب لغرفة الضيوف وأخذ ما تبقى من الحلوى فوضعها في الثلاجة، وغسل أكواب الشاي، ثم أخذ حماما دافئا وخلد للنوم، حتى يستعد جيدا ليوم غد الذي سيكون أول يوم له داخل الشركة.
استيقظ على الساعة السابعة صباحا، ثم صلّ ما تيسر من ركعات يستقبل بها نهاره الجديد. أعد فطوره، ولبس بذلة رسمية اشتراها خصيصا لهذه المناسبة، وما كاد يكمل لباسه حتى دق الباب، فتح فوجد أنطونيو يبتسم في وجهه ويقول:
"صباح الخير سيد كريم، أرجو أن تكون قد نمت جيدا"
"صباح الخير سيد أنطونيو، الحمد لله، نمت كطفل صغير"
"أمستعد إذن للذهاب للشركة"
"طبعا، أنا على أتم الاستعداد"
"إذن هيا بنا"
"هيا بنا"
خرجا من العمارة، واستقلا سيارة الشركة الخاصة في اتجاه مقرها الرئيسي. توقفت السيارة أمام عمارة كبيرة بواجهة زجاجية ضخمة، وباب مزركش برموز فنية متقنة كُتب عليه اسم الشركة بحروف كبيرة "شركة أنفورماتيكا للأسهم المالية".
دخل كريم وهو يقول: "باسم الله، اللهم وفقني فيما أنا مُقبِل عليه، آمين"، ثم أخذ ينظر وهو فاغر فاه من شدة الإعجاب لما يراه من حوله، موظفون يعملون كخلية نحل كبيرة، الكل منشغل بعمله، وشاشات بها أرقام وأسماء الشركات والأسهم المتداولة من مختلف بلدان العالم تحيط بالجميع. ربت السيد أنطونيو على كتفه، وقال له :
"تفضل سيد كريم من هنا من فضلك، سنذهب عند موظفة الاستقبال لتستلم موقعك وبطاقة عملك".
وقفا عند موظفة الاستقبال، وتبادلوا التحية جميعا، ثم قام كريم بالتوقيع على لائحة  الحضور، واستلم بطاقته الخاصة، التي كانت تحتوي على صورة شمسية له، واسمه، ونوعية عمله داخل الشركة، ثم أخبرته الموظفة في أي طابق يتواجد به مكتبه. شكرها كريم على ما قدمت له من معلومات، ثم توجه مع السيد أنطونيو إلى الطابق الثالث الذي يتواجد به مكتبه، لكن قبل أن يدخلا، طلب منه مرافقه أن يقابل السيد المدير العام من أجل معرفة سياسة الشركة. وافقه كريم على الفور وهو متحمس ومتوتر في نفس الوقت. وقفا أمام مكتب السيد المدير العام، فدعتهما سكرتيرته الخاصة بالجلوس إلى حين انتهاء المدير من اجتماع مهم، جلسا في مقعدين وثيرين، ثم سمعا صوت السيد المدير العام يقول عبر الانترفون:
"بياتريس، هل هناك من ينتظرني؟"
"نعم سيدي، السيد أنطونيو مع الموظف الجديد يريدان مقابلتك"
"إذن فليتفضلا، ولا تحوّلي لي أي مكالمة حتى أنتهي من مقابلتهما"
"حاضر سيدي"
ثم دعتهما للدخول وهي تفتح باب مكتب المدير. اعترى التوتر جسد كريم، وأخذت دقات قلبه تتسارع وهو ينظر إلى رجل في الخمسينيات من عمره، خطّ الشيب بعض شعر رأسه، قصير القامة، مكتنز البطن، عريض المنكبين، ويدخن سيجارا كوبيا فاخرا. ابتسم لهما ودعاهما للجلوس،
و
يتبع..