الحرية لعلي أنوزلا

الأحد، 3 يونيو، 2012

خلف الأسوار -ج7


لمن فاتته الأجزاء السابقة، إليكم روابطها:


********
جلس كريم ومرافقه قبالة مكتب مدير الشركة، وأخذ هذا الأخير يتفحص كريم بعينيه الثاقبتين كصقر يترقب فريسة لينقض عليها، مما زاد من توتر الوافد الجديد، الذي ابتلع ريقه بصعوبة، فلم يستطع النظر في وجه مديره المستقبلي، فظلت نظراته منخفضة لا ترى سوى المنضدة المتوسطة للطاولة التي تفصل بينه وبين مكتب المدير، ثم فجأة خاطبه المدير قائلا:
"هون عليك سيد كريم، وأبعد عنك الحرج، فنحن هنا متساوون في العمل، رغم المناصب، لأن هدفنا الأوحد هو الرقي بشركتنا وإرضاء عملائنا".
نزل هذا الكلام على قلب كريم بردا وسلاما، فاستجمع شجاعته وقال له:
"سيدي المدير، سأكون رهن إشارتك دوما وفي أي وقت تشاء".
"هذا ما أعوّل عليه سيد كريم، أن تكون وفيا ومخلصا ليس لي، بل للعمل وللشركة، ولن نبخل عليك إن أحسنت التصرف".
"إن شاء الله، سأكون عند حسن ظنك بي"، قالها كريم وهو يبتسم وينظر إلى وجه المدير مباشرة.
على هذا الكلام، مدّ المدير ملفّا به كافة المعلومات والأعمال التي ستوكل إلى كريم ابتداء من اليوم الذي ولج فيه الشركة، أخذه هذا الأخير وسعادة عارمة تغمر قلبه، ثم خفض رأسه احتراما، وانصرف مع أنطونيو نحو مكتبه الجديد.
دخل غرفة وجد بها ثلاث مكاتب صغيرة، اثنان منها يجلس في أحدهما شاب في العشرينيات من العمر، أسود الشعر، متوسط القامة، وسيم الملامح، وفي الآخر تجلس شابة هي أيضا في العشرينيات، شقراء الشعر، بملامح أوربية خالصة، متوردة الوجنتين، دقيقة الشفتين، تلبس فستانا كستنائيا أضاف إلى جسدها رونقا. عند رؤيتهما لأنطونيو وكريم توقفا عن عملهما، ووقفا تحية لهما، فأخبرهما أنطونيو بأن زميلهما من الآن فصاعدا هو السيد كريم، صافحاه وابتسامة ودودة على محيّاهما، فبادلهما كريم التحية والابتسامة، ثم توجه نحو مكتبه. أخذ يتحسّسه بأنامله وهو لا يكاد يصدق أنه أخيرا سيجلس على مكتب كان يحلم به طوال سنوات عطالته، أخيرا سيصبح له شأن ومكانة. جلس على كرسيه، وهو ينظر إلى جهاز الكومبيوتر الخاص به، وإلى حاملة الأقلام المصنوعة من خشب العرعار، ثم فتح الملف الذي أعطاه إياه المدير، وأخذ يدقق في كل كلمة حتى فهم ما أنيط له من عمل.
قبل أن يبدأ العمل، توجهت نحوه زميلته الجديدة، وهي تقول له:
"سيد كريم، مرحبا بك بيننا، نرجو أن نكون زملاء وأصدقاء، وإن احتجت إلى أي شيء، فسأكون رهن الإشارة، ما عليك سوى الطلب".
"آنستي، شكرا لذوقك وطيب كلامك، وسأكون أنا أيضا رهن الإشارة إن احتجتما إلي".
"سيد كريم، اسمي مارية سالوتي، أرجو أن تخاطبني باسمي دون ألقاب، فنحن هنا عائلة واحدة".
"حاضر سيدتي"
"هاااااا.. ماذا قلت" قالتها وهي تبتسم، فتورّدت وجنتا كريم خجلا، وقال:
"حاضر آنسة مارية"، نطقها بصوت منخفض، فقالت له مارية: "ماذا قلت، لم أسمع شيئا؟".
إذ ذاك رفع كريم صوته، وقال: "حاضر آنسة مارية، سأخاطبك باسمك دون ألقاب".
"الآن، نحن زملاء"، قالتها مارية وهي تطلق ضحكة مرحة.
ثم قام زميله الثاني من مكتبه، وتوجه نحوه وهو يقول: "سيد كريم، اسمي رفائيل، أنا أيضا إن احتجت لأي شيء، أو استعصى عليك أمر في عملك الجديد، فلن أبخل عليك بمعرفتي، لأني أنا ومارية نعمل هنا منذ ما يقارب السنتين، ولدينا خبرة كافية".
شكره كريم على كلامه، وابتسم له بود. عاد رفائيل لعمله، وجلس كريم على كرسيه، ثم قال: "باسم الله، توكلت على الله"، وشرع في عمله الجديد بكل جدية. أخذ يراقب أسهم عملاء الشركة في البورصة الوطنية، ونظم الحماية في منظومة الشركة بأكملها، بحكم تخصصه في هذا المجال.
مرّ شهر على عمله الذي كان يقوم به بتفان وجدية، فتذكر وهو جالس بغرفة في منزله أنه لم يرسل أي رسالة لحبيبته ولا لوالديه، فندم على تقصيره، وأخذ ورقة وقلم وبدأ يكتب رسالة غرامية لسعاد، وعند الانتهاء منها طواها وجعلها في ظرف، بعد ذلك قام بكتابة رسالة أخرى لوالديه، يخبرهما فيها شوقه لهما، وأخبار عمله، وطمأنهما على صحته، لأنه يعلم جيدا أن والدته ستسأل عنها، وبعد ختم الرسالة الثانية، توجه نحو أقرب مركز للبريد، وأرسلهما بالبريد المضمون كي تصلا بسرعة.
في حي كريم بالعاصمة الرباط، كانت سعاد كلما تسمع صوت الدراجة النارية الخاصة بساعي البريد، إلا وتتجه جريا نحو باب منزلها لتفتحه لعلها تتلقى رسالة من حبيبها كريم، غير أنها في كل مرة تعود خائبة. كانت تنظر إليها والدتها بنظرات مشفقة وتتألم بصمت، كيف لا وهي ترى فلذة كبدها تتعلّق بشخص تركها وهاجر دون أن يتزوجها، وكانت كلما طلبت من ابنتها نسيانه، تنتفض وتقول صارخة: "سيعود كريم.. سيعود إلي. أنت لا تعرفين صدق مشاعره نحوي، ومشاعري نحوه. لقد وعدني بأنه سيبقى وفيا لي كيفما كانت الظروف، وأنا أثق فيه أكثر من نفسي". كانت هاته هي الكلمات التي لا تفتأ سعاد ترددها على مسامع والدتها، حتى كان ذات صباح مشرق، سمعت فيه سعاد صوت دراجة نارية تقف أمام بيتها، ودقات خفيفة تطرق بابها، توجهت نحوه مسرعة وقلبها ينبض في انفعال، وفتحته، فرأت ساعي البريد يحييها بابتسامة ويمد لها رسالة عليها طابع أجنبي. تهللت أساريرها فرحا، وضمت الرسالة إلى صدرها، وأخذت تقبّلها بسعادة، ثم توجهت صوب غرفتها، فارتمت على سريرها وفتحتها وبدأت تقرأ:
و
يتبع..