الحرية لعلي أنوزلا

السبت، 21 يوليو، 2012

خلف الأسوار –القصة كاملة-


خلف جدران غرفة مظلمة إلا من بصيص نور يتسرب من نافذة ضيقة هي الوسيط بينه وبين العالم الخارجي، أخد يعيد قراءة رسالة للمرة الألف. في كل مرة يذرف دموع القهر والألم، وتخرج زفرات حارة من أعماقه. فهي تذكره بما كان عليه قبل أن يلج هذا المكان الذي يقال عنه "الداخل إليه مفقود، والخارج منه مولود".
كريم، هذا هو اسمه، شاب في عقده الثالث، أشعت الشعر أسوده، عريض المنكبين، متوسط القامة، تغلب على وجهه سمرة أضفت عليه جاذبية الرجل الشرقي. لم يكن يدري أن عقد العمل الذي أتاه من إيطاليا سيغير حياته للأبد.
الأحد، الخامس من أكتوبر سنة 2011، كان يوما روتينيا كغيره من الأيام بالنسبة لكريم، فمن استيقاظه إلى تناول وجبة الفطور في منزل والديه، يقضي معظم وقته في مقهى النت المجاور لبيته يبحث دون كلل أو ملل عن عمل يخرجه من بطالته، ومن نظرة ولديه المشفقة عليه تارة، والمتذمرة تارة أخرى.
دلف إلى المقهى، وجلس أمام جهاز الحاسوب يتصفح مواقع التوظيف دون جدوى، جل الوظائف الشاغرة إما أنها تطلب شخصا صغير السن، أو مؤهلا لا يتوفر عليه، أو إجازة غير تلك التي بحوزته. خاب أمله مرة أخرى، وقبل أن يغلق الجهاز، فتح بريده الالكتروني لعل وعسى، تأتيه رسالة من صديق أو خبر سار. بينما هو يطالع بعض الرسائل الواردة إليه، إذ برسالة أتته تلك اللحظة باللغة الإيطالية، تصفحها فلم يصدق ما شاهد. أعاد قراءتها أكثر من عشر مرات، وفي كل مرة يقول: "لا أصدق ما أرى.. مستحيل.. ربما أحلم".
بينما هو غارق في اندهاشه، إذ بيدين ناعمتين تغلقان عينيه من الخلف، وصوت أنثوي رقيق يقول: "من أنا؟".
علت على وجه كريم ابتسامة خفيفة، وقال وهو يستدير نحو الصوت: "حبيبتي، التي لا غنى لي عنها".
ضمها إليه بحنان وهو يقول وسعادة غامرة تعتريه: "سعاد، أخيرا.. أخيرا".
علت الدهشة محيا سعاد وهي تقول: "أخيرا ماذا يا كريم؟!".
"أخيرا جاءني الرد الذي كنت أنتظره منذ سنوات".
"لا تقل لي.."
"نعم هو كذلك".
أخرجت، سعاد، زغرودة من حلقها فرحا، فاستدار كل من في مقهى النت نحوها والدهشة والاستغراب تعلو وجوههم، فاحمَرّت وجنتاها خجلا من تصرفها اللا إرادي، وقالت للجميع: "أخيرا حصل كريم على عقد عمل". هلّل الكل وصفقوا فرحا بهذا الخبر السار، وأخذوا يصافحون كريم مهنئين، فقد عاشوا معاناته وخبروها جيدا من خلال هذا المقهى الذي جمعهم لسنوات.
بعد تلقيه للتهاني خرج كريم ممسكا بيد حبيبته سعاد، وتوجها مباشرة إلى منزله ليبشر والديه. تركته سعاد واقفا أمام الباب، وذهبت هي الأخرى لمنزلها لتبشر والديها بهذا الخبر السار. طرق كريم باب منزله وهو يحاول كبت انفعاله وفرحه حتى يفجرهما في وجه والديه اللذان عانى معه سنوات بطالته.. فتحت أمّه الحاجة خديجة الباب، فاستغربت من عودة ابنها باكرا للمنزل، وهي التي تعودت مكونته في مقهى النت مدة طويلة، وقالت: "بني، ليس من عادتك العودة باكرا للمنزل، ماذا هناك؟ هل حدث خطب ما؟"
أجابها كريم، وهو يجاهد كي لا تخرج تلك الابتسامة والفرحة لتفسد عليه رؤية وقع الخبر على محيا والده ووالدته، قائلا: "أين أبي؟ أريد أن أراه".
"والدك ذهب للصلاة في المسجد، سيعود بعد قليل.. أخبرني بني، أهناك أمر جلل حدث ونحن لا نعلمه؟".
"صبرا يا أمي إلى أن يأتي والدي".
انطلقت غريزة الأنثى عند الحاجة خديجة، وأخذت تضرب أخماسا في أسداس، وتحاول معرفة ما يخفيه ابنها. قفزت إلى مخيلتها أنه ربما تورط في شيء لا يريد إخبارها به لذلك يسأل عن والده كي يخرجه منها. فسألته جَزِعَة:
"هل تورطت في أمر خطير ولا تريدني أن أعلم بذلك؟".
"بالله عليك يا أمي.. ما هاته الأفكار السوداوية التي أنتجتها مخيلتك.. انتظري حتى يأتي والدي وستعرفين كل شيء".
ما إن أنهى كلامه حتى سمع باب المنزل يفتح ويدلف والده، ذو الستين ربيعا، بقامته الرفيعة ولحيته البيضاء التي أضفت عليه هيبة ووقارا، داخله وهو يقول: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته". لم تكد تراه الحاجة خديجة حتى أسرعت إليه وهي تقول: "أحمد، أظن أن ابنك تورط في أمر خطير ولا يريد إخباري".
علت الدهشة الحاج أحمد من كلام زوجته، وارتسمت على وجهه أمارات الغضب، فتغيرت نبرة صوته وهو يسأل ابنه:
"كريم، ما الذي فعلته بالله عليك".
"أبتاه لم أفعل شيئا، أقسم لك".
"هل تقول أن والدتك تكذب علي؟؟".
"لم أقل ذلك يا والدي، بل هي التي تخيلت وساوس لا أساس لها من الصحة".
آنذاك خفّت حدة صوت الحاج أحمد وقال:
"إذن يا بني أوضح لنا المسألة".
"والدي، لم أشأ أن أخبر والدتي إلا وأنت موجود بقربها".
"هيا.. أخبرنا بني، فقد بدأ صبرنا ينفذ".
"لقد وصلني عقد عمل من إيطاليا".
خرجت زغرودة طويلة من فم الحاجة خديجة، وضم الحاج أحمد ولده وقال:
"أخيرا يا بني.. أخيرا".
"نعم يا والدي، أخيرا سأودع هاته البطالة اللعينة وألج عالم الشغل".
لم تمض ساعة على إخبار كريم والديه بحصوله على عقد عمل في الخارج، حتى توافد سكان الزقاق الذي يعيش فيه إلى بيته مهنئين.
تسللت أشعة الشمس الدافئة من نافذة غرفة كريم لتداعب خده، فاستيقظ، على غير عادته، باكرا وبنشاط افتقده منذ زمن بعيد. تناول فطوره على عجل، وخرج ترافقه دعوات والديه، متوجها إلى  السفارة الإيطالية كي يكمل أوراقه.
استقل سيارة أجرة، وأخذ يغني بسعادة طيلة طريقه إلى السفارة. توقفت السيارة بالقرب من بناية ضخمة يحرسها عدد من رجال الأمن، وكتب على لوحة نحاسية ببابها الرئيسي "سفارة جمهورية إيطاليا"، فخرج كريم وهو يعدل هندامه ويفحص أوراقه للمرة الأخيرة، ثم وقف كغيره في صف طويل، وانتظر دوره إلى أن حان.
دلف إلى غرفة تفوح منها رائحة الياسمين، وتتوسط سقفها ثريا من الكرستال الخالص. أخذ يمتع ناظريه بلوحات لكبار الرّسامين العالميين إلى أن سمع صوتا أخرجه من عالمه.. صوت دافئ أزاح عنه بعض توتره، لامرأة في العشرينيات من العمر، شقراء الشعر، زرقاء العينين، ترتدي سترة رسمية أضافت إليها وقارا. دعته إلى الجلوس وابتسامة ودودة تعلو محياها. استجاب لها كريم وقد اعتراه الارتباك مرة أخرى. جلس وهو يفرك أصابعه من التوتر بعد أن مدّ إليها كافة أوراقه. تفحصتها الموظفة بتمعن، وبين الفينة والأخرى تنظر إليه، ثم قالت:
"كل أوراقك سليمة، لكن ما أود معرفته لماذا تريد العمل في إيطاليا؟"
استجمع كريم شجاعته وحاول أن يخفي توتره وأجاب:
"سيدتي، لقد أتاني عرض من شركة بدولتكم العظيمة كي أعمل بها".
"جيد، لكن هل لديك مهارات تساعدك على العمل عندنا؟"
"أنا واتق من قدرتي على الاندماج ببلدكم، لأني اجتماعي بطبعي، وأتقن اللغة الإيطالية جيدا".
" ما الأعمال التي قمت بها هنا وتحس أنها منحتك خبرة كافية يمكن أن توظفها في أي بلد؟"
"سيدتي، بما أني أحمل دبلوم في برمجة المعلوميات، إضافة إلى الإجازة في الاقتصاد، فقد عملت في العديد من الشركات التي تمازج بين هذين التخصصين مما أكسبني خبرة واسعة، إضافة إلى أني سريع التعلم والتأقلم مع أي وسط عملي".
"حسنا، سندرس ملفك ونخبرك بقرارنا في نهاية الأسبوع".
"شكرا لكم، وإلى اللقاء".
خرج كريم والفرحة تغمره، وتوجه صوب حديقة الزهور مكان اللقاء مع حبيبته.
من بعيد رأته يمشي في خطوات رشيقة، معتمرا قبعة وقميصا أزرق فاتح اللون، وسروالا أسود، ويلتفت يمنة ويسرة باحثا عنها. عَلت وجهها ابتسامة طفولية، وأخذت تتفحص هندامها وتسريحة شعرها، ثم وقفت وأشارت إلى كريم وهي تناديه:
"كريم.. كريم، أنا هنا".
سمع كريم صوتها، فاستدار ليجدها تشير إليه بيدها وهي تبتسم. توجه نحوها فاتحا ذراعيه وضمها إليه بقوة وسعادة كبيرة تغمره، وقال لها:
"لقد اجتزت اليوم مقابلة في السفارة الإيطالية، ولدي إحساس أن ملفي سيقبل إن شاء الله".
"إن شاء الله عزيزي".
على هاته الكلمات المتفائلة، أمسك كل واحد بيد الآخر، وتوجها نحو حيّهما ليبشرا والديهما، ويخبرانهما بمجريات المقابلة.
في بيت كريم، كانت الحاجة خديجة تمشي في الصالة ذهابا وإيابا وهي تفرك أصابعها، وبين الفينة والأخرى ترفع بصرها إلى الأعلى وتدعو الله أن يوفق ابنها في اجتياز المقابلة على خير. وفي المقابل، كان والده يجلس على كرسيه صامتا، لكن بداخله تعتريه أحاسيس وانفعالات جياشة تمتزج بين الأمل وبين الخوف، ونظراته تتابع زوجته، ثم أخرج زفرة حاول من خلالها التخلص من انفعالاته وقال لزوجته:
"كفاك يا امرأة السير هنا وهناك، فقد أتعبت نظري، ورجلاك لا يحتملان المشي كثيرا".
"ماذا أفعل يا حاج، وقلبي مشوش على ابني".
"لا تخافي ولا تجزعي، فابننا سيحسن التصرف إن شاء الله".
"إن شاء الله، وهذا ما أأمله".
ثم جلست قرب زوجها، وأخذا معا ينظران نحو الباب وقلوبهما تنبض بشدة، وفجأة استدار مزلاج الباب ودلف كريم، فقام والديه معا دون أن ينطقا ببنت شفة، وفي داخلهما تعالت الانفعالات. نظر إليهما كريم، ثم ابتسم، وقبّل يد والده ورأس والدته، ثم قال:
"الحمد لله، لقد مرّت المقابلة على خير، وإني على يقين، إن شاء الله، أن ملفي سيتم قبوله".
على هاته المقولة، خرجت من والديه زفرة ارتياح، وقالا معا:
"الحمد لله".
مرّ أسبوع على المقابلة، وفي صبيحة يوم الخميس تلقى كريم اتصالا من السفارة الإيطالية يطلبون منه المجيء. لبس أحسن ما لديه من ثياب، وخرج ترافقه دعوات والديه، ثم توجه نحو السفارة بثقة.
انتظر دوره كالمعتاد أمام باب السفارة، ثم بعد ذلك دلف للداخل، حتى نودي عليه ليقابل تلك السيدة التي أجرت معه المقابلة أول مرة. حيّاها بابتسامة ودودة، فردّت عليه التحية بالمثل، ثم دعته للجلوس. جلس وهو ينظر إليها مباشرة وتساؤلات عديدة تدور في رأسه، وبدأت هواجس تلوح في الأفق، استفاق منها على كلام السيدة وهي تعبث بملفه بأناملها، قائلة:
"سيد كريم، بعد دراسة ملفك بروية وتمعن من قبل مختصّينا، قرّرنا أن نمنحك تأشيرة للذهاب لبلدنا، فهنيئا لك، ونأمل أن تكون مواطنا صالحا هناك".
احتبست الكلمات في حلق كريم، ولم يدر بما يجيب، سوى أنه قام وصافح السيدة بشدة، ودموع الفرح تنهمر من عينيه وهو يقول:
"الحمد لله.. الحمد لله، شكرا لك سيدتي.. شكرا لك كثيرا".
انصرف غير مصدّق ما سمعه، واستقل أول سيارة أجرة متوجها مباشرة نحو المنزل. أخذ يدق الباب كأنما يدق طبلا تحت إيقاع موسيقي، فهرولت والدته لتفتح وهي تقول:
"حسبك يا من بالباب"، لم تكمل الجملة حتى وجدت ابنها يضمها إليه بحنان، ويقبّل يديها ورأسها.. على هول المفاجأة لم تنطق والدته بأية كلمة، لكن بداخلها علمت أن مجيئه بهاته الطريقة ينبئ بخبر سار. كان حدسها على صواب عندما أخبرها كريم بمجريات المقابلة الثانية، فصدحت من حلقها زغرودة طويلة وهي تقول: "الحمد لله.. الحمد لله"، ثم هرعت مسرعة نحو والده الذي كان يستعد للذهاب للمسجد، وهي تقول: "يا حاج.. يا حاج.. لقد منحت السفارة الإيطالية ابننا تأشيرة الذهاب".
عند سماعه هذا الخبر، علت ابتسامة وجه الحاج أحمد وقال: "الحمد لله، أخيرا سيهنئ ابننا بالسعادة التي حُرم منها زمنا طويلا".
ثم توجه نحو كريم وضمّه إليه بحنان وهو يقول: "هنيئا لك بني.. ستدخل عالم الشغل والمسؤولية من أوسع أبوابها".
"سأكون عند حسن ظنكم أبتاه"، هكذا أجاب كريم وهو يبتسم ويقبل يدي والده. ثم استأذنهما للذهاب عند حبيبته ليبشرها بالخبر أيضا.
التقى كريم بسعاد في إحدى المقاهي الشعبية على ضفاف نهر وادي أبي رقراق، جلسا وكل واحد مقابل الآخر ينظران تارة للنهر، وتارة أخرى لبعضهما البعض. أمسك كريم يد سعاد برقة وقال لها وهو ينظر إلى عينيها مباشرة:
"حبيبتي.. لقد تم قبول ملفي للذهاب لإيطاليا".
"ياااااااه.. ألف مبروك عزيزي.. أخيرا حلمك.. أقصد حلمنا سيتحقق".
"نعم يا مهجة القلب.. سنحقق كافة أحلامنا".
"إن شاء الله".
 ثم تغيرت نبرة سعاد، لينخفض صوتها ويترقرق الدمع في عينيها، وهي تقول:
"متى ستقلع طائرتك؟"
أجابها كريم وهو يغير مكانه ليقترب منها:
"بعد عشرة أيام من الآن".
"ياااااه.. أ بهذه السرعة ستغادر؟؟ أخاف أن تذهب إلى هناك وتنساني، وتنسى كل ما كان بيننا".
"ماذا تقولين يا حمقاء.. وهل يستطيع شخص أن ينسى هذا الجمال، وهذا القمر الساطع في وضح النهار، فما بالك بالليل.. أبدا.. أبدا، ستبقى صورتك محفورة في القلب والذاكرة".
"الكل يقول هذا الكلام لمحبوبته، وفور مغادرته للديار ويلتقي بفتيات الغربة، ينحرف قلبه مائة وثمانون درجة، فلا يعد يتذكر حبيبته ولا يراسلها".
"بالله عليك، كلكن هكذا.. لا تتقن في محبوبكن حتى ولو أقسم بأغلظ الأيمان أنه لن يخون حبكن".
"هذه هي الحقيقة.. أليس كذلك؟؟"
"لا، حبيبتي، ليست هي الحقيقة. الحقيقة أني أحبك مادام هذا القلب –ووضع يده على قلبه- ينبض، ومادامت رئتاي تتنفس عطرك، فلا تخافي ولا تحزني".
على هذا الكلام، ارتاحت سعاد، ودعت له بالتوفيق في مشواره الجديد، وذكرته بأن يراسلها كلما سنحت له الفرصة، فوعدها بذلك، وعادا تعلوهما الابتسامة إلى حيهما.
مرت العشرة أيام بسرعة، وها هو كريم يَصْحبُه والداه وحبيبته إلى مطار محمد الخامس بمدينة البيضاء. وقف الجميع في بهو المطار، وأخذ كريم يفحص جواز سفره وتذكرته، ويراقب شاشة المطار ليتأكد من موعد الرحلة المتوجهة نحو إيطاليا. سمع صوت سيدة تقول عبر مكبر للصوت: "المرجو ممن سيسافر عبر الرحلة رقم 353 والمتوجهة نحو إيطاليا، أن يتوجه الآن نحو الممر رقم 4".
خفقت قلوب عائلة كريم وحبيبته، فنظر إليهم وقال وهو يبتسم:
"لقد حانت اللحظة التي انتظرناها طويلا".
ثم توجه نحو والدته، فقبّل رأسها ويديها، وسألها الدعاء له بالتوفيق، فقالت له:
"أنا راضية عنك يا بني، صحبتك السلامة"، وأخذت تقبّله والدموع تنهمر منها، كأنها لن تراه بعد الآن.
ثم نظر كريم إلى والده، وقبّل يديه، وطلب منه نفس الطلب، فقال والده:
"صحبتك السلامة يا بني، وأنصحك بالمحافظة على صلاتك، وفروض دينك، فأنت ستذهب لبلاد غارقة في الفتن. فاحفظ الله يحفظك، وكلما ذاقت بك ذائقة فتوجه إليه بالمناجاة ليُيَسّر لك كل أمورك، وأسأله سبحانه أن يوفقك في عملك الذي أنت مُقبل عليه".
"سأفعل يا والدي إن شاء الله. سأعمل بجد وتفان كما ربّيتني وعلّمتني، وسأواظب على فروضي الدينية كلها، فالمسلم هو سفير لدينه في حلّه وتِرحاله".
"صدقت يا بني، المسلم سفير لدينه في كل مكان"، قالها الحاج أحمد وهو يبتسم في وجه ابنه.
بعد ذلك اقترب كريم من حبيبته سعاد، فاحتبست الكلمات في حلقه. هي أيضا لم تستطع الكلام، فتركت الدموع تنهمر من خديها الورديتين، ثم أدخلت يدها في جيب سترها وأخرجت صورة لها مدّتها لكريم الذي نظر إليها مبتسما وقال:
"عزيزتي، سأضع هاته الصورة داخل القلب والروح والوجدان، فهناك مكانها، وسأراسلك باستمرار"، ثم قبّل جبينها، وحمل حقيبته وتوجه نحو البوابة التي طُلب منه التوجه إليها.

أخذت عيون والديه وحبيبته تتابعه إلى أن غاب عن الأنظار، فعاد كل واحد منهم إلى منزله.
استقلّ كريم الطائرة، وجلس على المقعد المخصص له وهو يتلو دعاء السفر، ثم سمع المضيفة تقول للراكبين بثلاث لغات: "مرحبا بكم على متن سفينة الخطوط الملكية المغربية، المرجو من جميع الركاب المحترمين ربط أحزمة الأمان وغلق كافة الأجهزة الإلكترونية لضمان سلامتكم. نتمنى أن تمضوا رحلة ممتعة معنا"، ثم أغلقت جهاز الأنترفون.
أغمض كريم عينيه واستغرق في النوم إلى أن أيقظته مضيفة من غفوته وهي تقول له مبتسمة: "سيدي، تفضل قائمة الطعام الذي لدينا، اختر ما تريد منها".
أجابها بابتسامة مماثلة قائلا: "لا أريد طعاما، فقط لو أمكن، أريد عصير البرتقال، وقطعة من الحلوى".
"سيكون جاهزا بعد قليل".
"شكرا لك".
"العفو".
ثم تركته المضيفة، لتذهب عند باقي الركاب. بعد برهة من الزمن، عادت إليه المضيفة وهي تحمل كوبا من عصير البرتقال الطازج، مع قطعة حلوى. شرب كريم العصير والتهم الحلوى، ثم عاد للنوم مرة أخرى إلى أن استفاق على وقع صوت مضيفة تطلب من الراكبين ربط أحزمة الأمان مرة أخرى لأن الطائرة ستهبط على مطار إيطاليا الدولي، بعد أن قضت ما يقارب ثلاث ساعات في الجو. ربط الجميع أحزمتهم، ثم هبطت الطائرة بسلام.
نزل كريم من سلم الطائرة، وأخذ يستنشق هواء إيطاليا الذي كان يُمني نفسه به، ثم توجه نحو المكان المخصص للأمتعة في خطوات رشيقة. حمل حقيبته بيده، توجه بعد ذلك إلى المكان المخصص للاستقبال، فشاهد ساحة كبيرة تعج بالمسافرين وأهاليهم، يتبادلون القبلات والتّحايا، وفي زاوية شاهد مجموعة من الأشخاص يحملون لوحات بها أسماء الآتون إلى إيطاليا. أخذ يبحث عن اسمه بتوتر حتى قرأه في لوحة يحملها شخص متوسط القامة، أسود الشعر، حليق الذقن، يبدو عليه أمارات موظف الشركة التي سيعمل فيها.
توجه إليه كريم مباشرة وقال له مبتسما باللغة الإيطالية:
"سيدي، مرحبا، أنا صاحب هذا الاسم".
نظر إليه الموظف، وابتسم بدوره وقال:
"مرحبا بك سيدي كريم بإيطاليا، نرجو أن يعجبك المقام بيننا". ثم أردف قائلا: "اسمي أنطونيو، أحد موظفي شركة المعلوميات بروما، طُلب مني أن أستقبلك بالمطار وأن أكون دليلك لهذا اليوم حتى تستقر في المكان الذي خصّصناه لك".
"المكان الذي خصصتموه لي"، قالها كريم بتعجب وهو يهز حاجبيه.
فأجابه أنطونيو قائلا:
"نعم سيدي، شركتنا من مميزاتها أن تأخذ على عاتقها توفير السكن لمستخدميها بالقرب من مقرها الرئيسي، حتى لا يضطروا إلى البحث عنه في مناطق بعيدة قد تعيق حركة إنتاجيتهم".
علَت السّعادة قلب كريم بسماعه لهذا الامتياز الذي كان يحمل همّا كبيرا له، ثم قال:
"أظن أني محظوظ بهذا العمل إذن".
ضحك الاثنان، ثم استقلا سيارة خاصة في اتجاه الإقامة الخاصة بالمستخدمين. توقفت السيارة أمام عمارة كتب على بابها الرئيسي "مقر سكنى موظفي شركة انفورماتيكا للأسهم المالية"، ثم دخل كريم وأنطونيو إليها، وصعدا المصعد نحو الطابق الرابع. مدّ أنطونيو مفتاح شقة كريم، وطلب منه أن يكون أول من يدخل لتلك الشقة.
"باسم الله، على بركة الله"، قالها كريم وهو يدير مفتاح منزله الجديد، ثم دخل وهو فاغر فاه من شدة إعجابه بمقر سكناه، ثريا تتوسط غرفة الضيوف، سرير من النوع المريح بغرفة النوم، ومطبخ من الطراز الرفيع، لم يشاهده إلا على شاشات التلفاز، وحمام برخام إيطالي أصلي. ثم نظر إلى أنطونيو قائلا:
"هل هذا منزلي حقا؟؟!"
"نعم، هو كذلك سيدي" قالها أنطونيو وهو يبتسم، وأردف: "كل شقق هاته العمارة مثل هاته، فشركتنا لا تميز بين موظفيها، فهي تأخذ بمبدأ السّواسية في كل شيء".
"إذن، سأعمل بكل جهد وتفان" قالها كريم وهو ينظر إلى منزله الجديد بانبهار تام.
"هذا ما نأمله منكم سيدي، وبعد إذنكم، سأترككم الآن لتأخذوا قسطا من الراحة، وغدا سأعرفكم على مقر الشركة الرئيسي".
"تفضل سيدي أنطونيو، صحبتك السلامة".
ثم صافح كل واحد منهما الآخر، فغادر أنطونيو وترك كريم يجوب غرف منزله بسعادة وهو يقول في نفسه: "أين أنت يا سعاد حتى تري هذا المنزل".
بينما هو يتجول في كل ركن من سكناه إذ به يسمع رنين بابه، فاستغرب وتوجه نحو الباب وتساؤلات عديدة تدور في مخيلته عن ماهية هذا الزائر،فتح الباب وهو يُحدّث نفسه عن احتمالية رجوع السيد أنطونيو ليخبره بأمر نسيه، لكن كانت مفاجأته أن رأى شخصا آخر، طويل القامة، أسود الشعر، أسمر البشرة، يرتدي بذلة رياضية، ويحمل في يده قالب حلوى، وبجانبه شاب آخر بعينين داكنتين، وشعر أشقر، تقريبا في مثل طوله وسنه، ويرتدي قميصا وسروال جينز. ابتسما له بود، فبادلهما الابتسام، وقبل أن يسألهما عن ماهيتهما، وما سبب هاته الزيارة المفاجأة، قال له صاحب البشرة السمراء باللغة الإيطالية:
"نعتذر عن إزعاجك في مثل هذا الوقت، علمنا منذ ليلة أمس أن موظفا جديدا سيستقر بيننا هنا، فأردت أنا وصديقي الترحيب بك".
"شكرا لكما على ذوقكما، لكن هل بإمكاني أن أعرف من أنتما؟"
"طبعا.. يا لغبائي، كان علي أن أقدم نفسي أولا. اسمي أحمد مهندس في نفس الشركة التي ستعمل بها، وجارك في هاته الإقامة، وهذا زميلي سيلفيو محاسب في نفس الشركة أيضا، وجارك كذلك".
صافحهما كريم وهو يُعرّف بنفسه أيضا:
"اسمي كريم من المغرب، أتيت اليوم إلى هنا من أجل العمل في شركة أنفورماتيكا للأسهم المالية وفق عقد عمل لمدة خمس سنوات".
بعد انتهاء التعارف، دعاهما للدخول، وهو يقول: "تفضلا، رغم أني لم أرتب أغراضي بعد، فقد وصلت توا".
دخلوا جميعا لغرفة الضيوف، ثم وضع أحمد قالب الحلوى في مائدة تتوسط القاعة، فقال لهما كريم: "سأعد الشاي حتى نتناول الحلوى معا، ونكون بذلك قد "أكلنا العيش والملح"، كما نقول نحن العرب" فضحك، وضحك معه ضيفاه.
شرب الجميع الشاي، وأكلوا الحلوى، ثم ودّعاه على أمل اللقاء في فرصة أخرى، وقال له سيلفيو وهو يغادر مع صديقه:
"سنتركك الآن لترتاح، ومازالت الأيام بيننا، سنتعارف فيها أكثر".
"إن شاء الله، ومع السلامة".
ثم أغلق كريم الباب، وذهب لغرفة الضيوف وأخذ ما تبقى من الحلوى فوضعها في الثلاجة، وغسل أكواب الشاي، ثم أخذ حماما دافئا وخلد للنوم، حتى يستعد جيدا ليوم غد الذي سيكون أول يوم له داخل الشركة.
استيقظ على الساعة السابعة صباحا، ثم صلّ ما تيسر من ركعات يستقبل بها نهاره الجديد. أعد فطوره، ولبس بذلة رسمية اشتراها خصيصا لهذه المناسبة، وما كاد يكمل لباسه حتى دق الباب، فتح فوجد أنطونيو يبتسم في وجهه ويقول:
"صباح الخير سيد كريم، أرجو أن تكون قد نمت جيدا"
"صباح الخير سيد أنطونيو، الحمد لله، نمت كطفل صغير"
"أمستعد إذن للذهاب للشركة"
"طبعا، أنا على أتم الاستعداد"
"إذن هيا بنا"
"هيا بنا"
خرجا من العمارة، واستقلا سيارة الشركة الخاصة في اتجاه مقرها الرئيسي. توقفت السيارة أمام عمارة كبيرة بواجهة زجاجية ضخمة، وباب مزركش برموز فنية متقنة كُتب عليه اسم الشركة بحروف كبيرة "شركة أنفورماتيكا للأسهم المالية".
دخل كريم وهو يقول: "باسم الله، اللهم وفقني فيما أنا مُقبِل عليه، آمين"، ثم أخذ ينظر وهو فاغر فاه من شدة الإعجاب لما يراه من حوله، موظفون يعملون كخلية نحل كبيرة، الكل منشغل بعمله، وشاشات بها أرقام وأسماء الشركات والأسهم المتداولة من مختلف بلدان العالم تحيط بالجميع. ربت السيد أنطونيو على كتفه، وقال له :
"تفضل سيد كريم من هنا من فضلك، سنذهب عند موظفة الاستقبال لتستلم موقعك وبطاقة عملك".
وقفا عند موظفة الاستقبال، وتبادلوا التحية جميعا، ثم قام كريم بالتوقيع على لائحة  الحضور، واستلم بطاقته الخاصة، التي كانت تحتوي على صورة شمسية له، واسمه، ونوعية عمله داخل الشركة، ثم أخبرته الموظفة في أي طابق يتواجد به مكتبه. شكرها كريم على ما قدمت له من معلومات، ثم توجه مع السيد أنطونيو إلى الطابق الثالث الذي يتواجد به مكتبه، لكن قبل أن يدخلا، طلب منه مرافقه أن يقابل السيد المدير العام من أجل معرفة سياسة الشركة. وافقه كريم على الفور وهو متحمس ومتوتر في نفس الوقت. وقفا أمام مكتب السيد المدير العام، فدعتهما سكرتيرته الخاصة بالجلوس إلى حين انتهاء المدير من اجتماع مهم، جلسا في مقعدين وثيرين، ثم سمعا صوت السيد المدير العام يقول عبر الانترفون:
"بياتريس، هل هناك من ينتظرني؟"
"نعم سيدي، السيد أنطونيو مع الموظف الجديد يريدان مقابلتك"
"إذن فليتفضلا، ولا تحوّلي لي أي مكالمة حتى أنتهي من مقابلتهما"
"حاضر سيدي"
ثم دعتهما للدخول وهي تفتح باب مكتب المدير. اعترى التوتر جسد كريم، وأخذت دقات قلبه تتسارع وهو ينظر إلى رجل في الخمسينيات من عمره، خطّ الشيب بعض شعر رأسه، قصير القامة، مكتنز البطن، عريض المنكبين، ويدخن سيجارا كوبيا فاخرا. ابتسم لهما ودعاهما للجلوس.
جلس كريم ومرافقه قبالة مكتب مدير الشركة، وأخذ هذا الأخير يتفحص كريم بعينيه الثاقبتين كصقر يترقب فريسة لينقض عليها، مما زاد من توتر الوافد الجديد، الذي ابتلع ريقه بصعوبة، فلم يستطع النظر في وجه مديره المستقبلي، فظلت نظراته منخفضة لا ترى سوى المنضدة المتوسطة للطاولة التي تفصل بينه وبين مكتب المدير، ثم فجأة خاطبه المدير قائلا:
"هون عليك سيد كريم، وأبعد عنك الحرج، فنحن هنا متساوون في العمل، رغم المناصب، لأن هدفنا الأوحد هو الرقي بشركتنا وإرضاء عملائنا".
نزل هذا الكلام على قلب كريم بردا وسلاما، فاستجمع شجاعته وقال له:
"سيدي المدير، سأكون رهن إشارتك دوما وفي أي وقت تشاء".
"هذا ما أعوّل عليه سيد كريم، أن تكون وفيا ومخلصا ليس لي، بل للعمل وللشركة، ولن نبخل عليك إن أحسنت التصرف".
"إن شاء الله، سأكون عند حسن ظنك بي"، قالها كريم وهو يبتسم وينظر إلى وجه المدير مباشرة.
على هذا الكلام، مدّ المدير ملفّا به كافة المعلومات والأعمال التي ستوكل إلى كريم ابتداء من اليوم الذي ولج فيه الشركة، أخذه هذا الأخير وسعادة عارمة تغمر قلبه، ثم خفض رأسه احتراما، وانصرف مع أنطونيو نحو مكتبه الجديد.
دخل غرفة وجد بها ثلاث مكاتب صغيرة، اثنان منها يجلس في أحدهما شاب في العشرينيات من العمر، أسود الشعر، متوسط القامة، وسيم الملامح، وفي الآخر تجلس شابة هي أيضا في العشرينيات، شقراء الشعر، بملامح أوربية خالصة، متوردة الوجنتين، دقيقة الشفتين، تلبس فستانا كستنائيا أضاف إلى جسدها رونقا. عند رؤيتهما لأنطونيو وكريم توقفا عن عملهما، ووقفا تحية لهما، فأخبرهما أنطونيو بأن زميلهما من الآن فصاعدا هو السيد كريم، صافحاه وابتسامة ودودة على محيّاهما، فبادلهما كريم التحية والابتسامة، ثم توجه نحو مكتبه. أخذ يتحسّسه بأنامله وهو لا يكاد يصدق أنه أخيرا سيجلس على مكتب كان يحلم به طوال سنوات عطالته، أخيرا سيصبح له شأن ومكانة. جلس على كرسيه، وهو ينظر إلى جهاز الكومبيوتر الخاص به، وإلى حاملة الأقلام المصنوعة من خشب العرعار، ثم فتح الملف الذي أعطاه إياه المدير، وأخذ يدقق في كل كلمة حتى فهم ما أنيط له من عمل.
قبل أن يبدأ العمل، توجهت نحوه زميلته الجديدة، وهي تقول له:
"سيد كريم، مرحبا بك بيننا، نرجو أن نكون زملاء وأصدقاء، وإن احتجت إلى أي شيء، فسأكون رهن الإشارة، ما عليك سوى الطلب".
"آنستي، شكرا لذوقك وطيب كلامك، وسأكون أنا أيضا رهن الإشارة إن احتجتما إلي".
"سيد كريم، اسمي مارية سالوتي، أرجو أن تخاطبني باسمي دون ألقاب، فنحن هنا عائلة واحدة".
"حاضر سيدتي"
"هاااااا.. ماذا قلت" قالتها وهي تبتسم، فتورّدت وجنتا كريم خجلا، وقال:
"حاضر آنسة مارية"، نطقها بصوت منخفض، فقالت له مارية: "ماذا قلت، لم أسمع شيئا؟".
إذ ذاك رفع كريم صوته، وقال: "حاضر آنسة مارية، سأخاطبك باسمك دون ألقاب".
"الآن، نحن زملاء"، قالتها مارية وهي تطلق ضحكة مرحة.
ثم قام زميله الثاني من مكتبه، وتوجه نحوه وهو يقول: "سيد كريم، اسمي رفائيل، أنا أيضا إن احتجت لأي شيء، أو استعصى عليك أمر في عملك الجديد، فلن أبخل عليك بمعرفتي، لأني أنا ومارية نعمل هنا منذ ما يقارب السنتين، ولدينا خبرة كافية".
شكره كريم على كلامه، وابتسم له بود. عاد رفائيل لعمله، وجلس كريم على كرسيه، ثم قال: "باسم الله، توكلت على الله"، وشرع في عمله الجديد بكل جدية. أخذ يراقب أسهم عملاء الشركة في البورصة الوطنية، ونظم الحماية في منظومة الشركة بأكملها، بحكم تخصصه في هذا المجال.
مرّ شهر على عمله الذي كان يقوم به بتفان وجدية، فتذكر وهو جالس بغرفة في منزله أنه لم يرسل أي رسالة لحبيبته ولا لوالديه، فندم على تقصيره، وأخذ ورقة وقلم وبدأ يكتب رسالة غرامية لسعاد، وعند الانتهاء منها طواها وجعلها في ظرف، بعد ذلك قام بكتابة رسالة أخرى لوالديه، يخبرهما فيها شوقه لهما، وأخبار عمله، وطمأنهما على صحته، لأنه يعلم جيدا أن والدته ستسأل عنها، وبعد ختم الرسالة الثانية، توجه نحو أقرب مركز للبريد، وأرسلهما بالبريد المضمون كي تصلا بسرعة.
في حي كريم بالعاصمة الرباط، كانت سعاد كلما تسمع صوت الدراجة النارية الخاصة بساعي البريد، إلا وتتجه جريا نحو باب منزلها لتفتحه لعلها تتلقى رسالة من حبيبها كريم، غير أنها في كل مرة تعود خائبة. كانت تنظر إليها والدتها بنظرات مشفقة وتتألم بصمت، كيف لا وهي ترى فلذة كبدها تتعلّق بشخص تركها وهاجر دون أن يتزوجها، وكانت كلما طلبت من ابنتها نسيانه، تنتفض وتقول صارخة: "سيعود كريم.. سيعود إلي. أنت لا تعرفين صدق مشاعره نحوي، ومشاعري نحوه. لقد وعدني بأنه سيبقى وفيا لي كيفما كانت الظروف، وأنا أثق فيه أكثر من نفسي". كانت هاته هي الكلمات التي لا تفتأ سعاد ترددها على مسامع والدتها، حتى كان ذات صباح مشرق، سمعت فيه سعاد صوت دراجة نارية تقف أمام بيتها، ودقات خفيفة تطرق بابها، توجهت نحوه مسرعة وقلبها ينبض في انفعال، وفتحته، فرأت ساعي البريد يحييها بابتسامة ويمد لها رسالة عليها طابع أجنبي. تهللت أساريرها فرحا، وضمت الرسالة إلى صدرها، وأخذت تقبّلها بسعادة، ثم توجهت صوب غرفتها، فارتمت على سريرها وفتحتها وبدأت تقرأ:
"باسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد،
حبيبتي سعاد،
لا تظني أني نسيتك، فأنت في القلب وستظلين كذلك، لكن انهماكي في عملي الجديد، جعلني أنشغل عن الكتابة لك.. أعلم أنك تتحرقين شوقا لمعرفة جديدي، وأنا أيضا أتحرق شوقا لرؤيتك وليس لمعرفة أخبارك فقط.
 الحمد لله، حصلت على وظيفة محترمة في شركة راقية، ودخلي مرتفع شيئا ما بالمقارنة مع ما يتقاضاه من هم مثلي بالمغرب، سأحاول ترشيد نفقاتي حتى أكوّن نفسي جيدا، آنذاك، سأعود للمغرب ونتزوج كي أصطحبك معي إلى هنا، وتنعمي كما أنعم أنا الآن، ولو أن هذا النعيم بدونك لا ذوق له.
غاليتي،
سأنتظر أخبارك بكل لهفة وشوق، فلا تتأخري علي في الرد.
المحب: كريم"
عند انتهائها من القراءة، أخذت سعاد تقبّل الرسالة بلهفة، ثم حملتها وضمتها إلى صدرها وهي تدور في الغرفة فرحة مسرورة كطفل صغير سُرّ باقتناء لعبة جديدة، ثم توجهت نحو مكتبها الصغير، وأخرجت من الدرج ورقة وقلما، وبدأت تكتب ردا لحبيبها، فيه:
"باسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد،
حبيبي ومهجة قلبي،
لا تدري مدى سعادتي وأنا أقرأ رسالتك. أحسست فيها شوقا ولهفة ملتاع متيم، أنا كذلك، قلبي لا ينبض إلا باسمك في كل وقت وحين، وصورك لا تغيب عن ناظري، حتى أني أزور الأماكن التي كنا نرتادها سوية كل يوم لأرى طيف هناك، وأشم عطرك.
أخوف ما أخاف عليه، أن تسلبك إحداهن هناك هذا القلب الذي تُيِّمتُ به، فتنساني.
أستودعك الله، ولا تتأخر علي في موافاتي بكل جديدك.
المحبة الوفية: سعاد"
ثم وضعت فيها صورة شمسية لها، واشترت ظرفا وأرسلته على عنوان رسالة كريم بالبريد المضمون.
استفاق كريم مبكرا كعادته، وتصفح جرائد اليوم، ثم أخذ حماما سريعا وأكل فطوره، وذهب لعمله صحبة زملائه الذي يقطنون في نفس العمارة إلى العمل سوية.
دخل إلى مكتبه وسلّم على مارية ورفائيل، ثم جلس على كرسيه، وأخذ يتابع أنظم الحماية في الشركة، وفجأة، أتاه إنذار من جهازه لمحاولة اختراق، كانت هاته أول تجربة له مباشرة مع هذا الأمر، فأخذ يضغط بسرعة على لوحة أزرار حاسبه، ويكتب رموزا وأرقاما ليعرف مصدر هاته المحاولة، وأخذ العرق يتصبب منه، فلاحظت ذلك مارية، وقالت له، ونبرة الجزع بادية على صوتها:
"ما بك يا كريم، أراك تتصبّب عرقا!؟".
لم يجبها كريم، وتابع ضغط الأزرار ومراقبة الرسائل التي تأتيه من جهازه، ثم أخذ يتحدث بصوت مسموع: "لن تنال مني يا هذا.. سأريك من يكون كريم".
نهش الفضول فؤاد مارية ورفائيل، فقاما من مقعديهما، وتوجها نحو كريم، فرأيا كتابات وأرقاما من شاشة حاسوبه لم يفهما شيئا منها، وكريم يمسح بين الحين والآخر عرق جبينه بمنديله، ثم فجأة صاح والفرحة تغمره:
"يااااااااااااه، لقد فعلتها..فعلتها".
فقالت مارية: "ماذا فعلت.. قل لنا يا كريم".
"لقد أبطلت أوّل محاولة تسلّل على شركتنا".
"تسلل؟؟".
"نعم، تسلّل، كان سيردي شركتنا الهاوية".
سألته مارية ورفائيل في نفس الوقت: "كيف ذلك؟".
فأجاب كريم وهو يلهث من شدة الفرح والانفعال لانتصاره الأول:
"تخيلوا معي لو أخذ شخص ما معلومات عن أسهم عملائنا في البورصة، ما الذي يمكن أن يفعله بها؟".
قالا زميلاه بصوت واحد: "ستكون كارثة".
"نعم، ستكون كارثة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وسنتكبد خسارة بالملايين لتعويض هؤلاء العملاء، لكن الحمد لله، استطعت أن أبطل هاته المحاولة الجبانة".
فقالت مارية:
"حمدا للرب أنك معنا، ولست ضدنا"، ثم ضحكت، فضحك رفائيل وكريم معها.
تسرّب خبر إبطال كريم لمحاولة القرصنة إلى كافة موظفي الشركة، فكان كلما مرّ على رواق، إلا وحيّاه الموظفون، حتى وصل الخبر إلى المدير، فأرسل في طلبه.
دخل كريم، وهو ينظر إلى الأرض مهابة من المدير، لكن هذا الأخير قام من مكانه وتوجه نحوه وحيّاه بحرارة وهو يقول:
" أحسنت صنعا يا كريم بإبطالك لتلك المحاولة الجبانة للتسلل لقاعدة بياناتنا.."
أجابه كريم متلعثما من شدة الارتباك:
"هذا واجبي سيدي.. وطاقتي سأسخّرها كلها من أجل الحرص على هاته الشركة التي منحتني أكثر ما أريد".
ابتسم المدير وربّت على كتفه وقال:
"أطلب ما شئت عزيزي كريم، فما قمت به اليوم، يستحق المكافأة".
"لا أطلب سوى رضاك عني سيدي".
"لا عليك، خذ وقتا للتفكير في مكافئتك، وإن لم تستطع، سندرس أمرك في مجلس الإدارة لنقرر، فما قمت به اليوم لشيء خارق لم نعتد عليه من قبل في شركتنا".
ثم صافحه مرة أخرى بحرارة، وطلب منه التوجه إلى مكتبه لمواصلة العمل.
دخل كريم إلى مكتبه، فقامت مارية وهي تقول له:
"ماذا قال لك سيادة المدير العام؟؟ أخبرنا، فلا نكاد نصبر عن معرفة الحوار الذي جرى بينكما".
أخبرها كريم بكل ما جرى في مكتب المدير العام، وهو لا يخفي فرحه بذلك الاستقبال الرائع الذي حضي به من قبله، ثم قال له رفائيل:
"عزيزي كريم، هاته أول محاولة لك، تفوقت فيها على نفسك وعلى جميع من في الشركة، لأنك جنّبت شركتنا خسارة الملايين.. لكن، احذر، فلن تكون هاته هي المحاولة الأولى للاختراق، ستتلوها محاولات أخرى".
أجابه كريم، وقد تغيرت نبرة صوته، وظهر فيها الجدية:
"أعلم ذلك رفائيل، سأكون لكل مخترق بالمرصاد، فأنا كريم وأجرك على الله"، ثم غمزه بطرف عينه اليسرى، وتوجه نحو مكتبه لإكمال عمله.
مرّت سنة على تواجد كريم بالشركة، أحبط فيها عدد هائل من محاولات الاختراق لقاعدة بيانات عملاء الشركة، مما جعل المدير العام في يوم مشمس من بداية السنة الجديدة أن يطلبه لحضور اجتماع مجلس الإدارة، لأول مرة منذ توليه العمل.
أعاد كريم ترتيب هندامه، وقال لمارية: "كيف أبدو؟"
نظرت إليه مارية وهي تقول: "اممممم، دعني أرى، ربطة العنق هاته لا تلائم قميصك الأزرق، لكن لا عليك، الحل عندي"، ثم خرجت مسرعة نحو المكتب المجاور، وعادت بربطة عنق حمراء، ثم قالت وهي تحيط بيديها عنق كريم وتلبسه تلك الربطة:
"الآن، أنت جذاب بهاته الربطة"، ثم أطلقت ضحكة طفولية كعادتها.
شكرها كريم، على مساعدتها له، ثم توجه نحو مكتب المدير، وقف بالباب، ثم طرقه، وانتظر حتى سمع صوت المدير العام من الداخل يقول:
"تفضل"
دخل كريم في خطوات ثابتة، فتبادل مع جميع من كان في اجتماع مجلس الإدارة التحية، ثم جلس على كرسي خُصّص له. نظر إليه المدير العام وابتسامة عريضة تعلو محيّاه وقال:
"سيد كريم، بلغنا أنك أحبطت عملية تسلّل كادت تكبّدنا خسائر فادحة، وتشوّه سمعتنا".
أجابه كريم بصوت خجول:
"العفو سيدي المدير، هذا واجبي، ولم أكن لأسمح بهذا الاختراق الغير قانوني".
نظر إليه كافة أعضاء مجلس الإدارة بعيون راضية، ثم صفقوا له بحرارة على موقفه الذي اعتبروه بطولي، بعد ذلك، قام المدير العام وهو يحمل ورقة ومدّها لكريم وهو يقول:
"هذه الورقة بها قرار المجلس بترقيتك المسؤول الأول عن خلية البرمجة والحماية بشركتنا"، ثم أضاف وهو يمد إليه بورقة أخرى: " وهذا شيك به مكافأة عملك البطولي".
احتبست الكلمات في حلق كريم، ولم يدر بما يجيب سوى قوله لمديره:
"شكرا لكم سيدي.. شكرا لكم، وسأكون دوما عند حسن ظنكم بي".
بهاته الكلمات، صافح المدير العام، وصافحه جميع من كان حاضرا، ثم غادر صالة الاجتماعات متوجها نحو مكتبه.
لم يستطع انتظار المصعد، فتوجه نحو سلالم الطوابق التي تفصله عن مكتبه، وتخطاها برشاقة من شدة فرحه. وصل للمكتب وقبل دخوله، غيّر من تعابير وجهه، ورسم عليها بعض الحزن مشوب بقليل من الاضطراب، ثم دخل. رأته مارية ورفائيل، فقفزا من مكانيهما وقالا له بصوت واحد:
"هيه.. ماذا حصل مع السيد المدير العام؟؟"
نظر إليهما كريم نظرة حزن، ثم خفض عينيه إلى الأرض ولم يجب. خالج القلق زميلاه، فقالت سالوتي:
"هيا يا كريم.. نحن على أعصابنا.. أرجوك قل لنا ما الذي جرى بينك وبين السيد المدير العام؟؟"
هَمْهَم كريم، وهو ما يزال ينظر للأرض، بكلمات غير مفهومة، فقال رفائيل:
"ماذا قلت، لم نسمع شيئا".
آنذاك، رفع كريم عينيه وقال وابتسامة تعلو مُحيّاه:
"لقد تمّت ترقيتي"، وأراهما ورقة التوصية، وأضاف فرحا: "وهذا شيك به مكافأة نظير عملي"، وأراهما كذلك الشيك.
من شدة الفرح والسعادة، ارتمت مارية على كريم ولوت ذراعيها على خصره، وهي تقول: "مبارك عليك عزيزي كريم.. مبارك، فأنت تستحقها".
شعر كريم بالحرج، فهو لم يتوقع ردة فعل مارية، ثم أمسك بيديها، وأزاحهما عن خصره بلطف، وهو يقول:
"شكرا لك، عزيزتي مارية"، ثم نظر إلى رفائيل وقال له: "وشكرا لك أنت أيضا عزيزي رفائيل، فلولاكما لما قمت بهذا العمل. لقد وفّرتما لي جوا مريحا ساعدني للعمل بكامل طاقتي، فشكرا لكما مجددا".
صافحاه مرة أخرى، ثم عاد كل واحد منهم إلى عمله.
أخذت مارية تقلب أوراق أحد الملفات على مكتبها، ثم توقفت فجأة ونظرت إلى كريم وهي تقول: "كريم، بما أن الإدارة قامت بترقيتك، فأظنك ستنتقل إلى مكتب آخر أليس كذلك؟؟".
أجابها كريم قائلا: "نعم مارية، سيتم نقلي إلى مكتب جديد لأزاول به عملي".
تغيرت نبرة مارية، وهي تقول والحزن باد على صوتها:
"إذن ستتركنا، ولن نراك مجددا".
"لا يا حمقاء، سأنتقل إلى الطابق الأعلى فقط، وسأمر عليكما بين الفينة والأخرى حسب تفرغي".
ثم ابتسما معا.
في تلك الليلة، عاد كريم إلى منزله وتوجه مباشرة إلى درج مكتبه وأخرج منها ورقة وشرع يكتب رسالة إلى حبيبته سعاد يخبرها بما جرى معه اليوم، عند انتهائه، سمع طرقا على الباب، فطوى الرسالة ووضعها على سطح مكتبه، ثم قام من مكانه ليعرف من الطارق. تفاجأ عند فتحه للباب بمارية وهي تلبس فستان سهرة أزرق مكشوف الكتفين، وتحمل حقيبة يد حمراء، وقبل أن ترتمي عليه، كما تفعل عادة مع من تصادفهم، استوقفها بيديه قائلا، والاستغراب باد عليه،:
"ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت المتأخر؟"
أحسّت مارية بالحرج من حركته تلك، ثم حاولت أن تسيطر على انفعالها وهي تقول مبتسمة:
"ألا تدعوني للدخول أولا".
"آه، عذرا، تفضلي بالدخول، ولو أني لا أسمح بدخول النساء إلى منزلي".
قالت مستغربة:
"لا تسمح للنساء بالدخول لمنزلك؟؟!!".
"نعم، ليس من عادتي فعل ذلك".
اعترى الفضول مارية، وطلبت منه المزيد من التفسير، فشرح لها كريم تعاليم دينه الذي يحرم الخلوة بأجنبية في مكان واحد، حفاظا على الشرف والعفة لكلا الجنسين، وأخبرها بحديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها؛ فإن ثالثهما الشيطان".
ازداد احترامها له بعد كلامه ذاك، ثم طلبت منه تغيير ملابسه لأن مفاجأة تنتظره بالخارج. وافق على مضض، وقبل أن يذهب لغرفة نومه ليغير ملابسه دعاها للانتظار في مكتبه.
دخلت مارية للمكتب، وأخذت تنظر إلى كتب وضعت بعناية على مكتبة تتوسط القاعة، ثم جلست على كرسي مجاور للمكتب، فلفت انتباهها ورقة مطوية على سطحه، اشتعلت غريزة الفضول لديها، ففتحتها وأخذت تقرأ. شعرت بغصة في حلقها وهي تطالع تلك الرسالة التي وجهها كريم إلى حبيبته سعاد، ثم أغلقتها مسرعة، وهي تحبس دموعا حاولت التمرد، قبل أن يدخل عليها كريم وهو يقول مبتسما:
"كيف أبدو؟"
نظرت إليه مارية بإعجاب وقالت: "جنتلمان حقيقي".
تم تأبّطت ذراعه وخرجا معا من المنزل. استقلا سيارة أجرة إلى أحد المطاعم، وعند دخولهما إليه، صفّق جميع من بالداخل، ورددوا بصوت واحد: "مرحا.. مرحا بالبطل الهمام".
تفاجأ كريم بذلك الترحيب، وأدار نظراته بين الحضور، فوجد أن ساكنة العمارة التي يقطنها حاضرة إضافة إلى زميله رفائيل. تلقى التهاني من الجميع على عمله البطولي في إفشال محاولة اختراق الشركة، ثم توجه مع مارية ورفائيل وجاراه في المبنى أحمد وسيلفيو نحو طاولة في آخر المطعم. أخذوا يتحدثون ويضحكون قبل أن تأتي نادلة وهي تحمل زجاجات خمر فاخرة، وضعتها على الطاولة، وأخذت تسكب للجالسين كؤوسا منها إلى أن وصلت لكريم الذي اعتذر لها بلباقة، وطلب منها زجاجة مياه غازية فقط. استغربت مارية مرة أخرى من تصرفه وقالت له: "لقد طلبنا هذا الخمر الفاخر فقط من أجلك، فلم لا تشاركنا شربه؟!"
أجابها وهو يسكب المياه الغازية في كأس بجانبه: "الخمر محرم في ديننا الحنيف، فهو يسكر العقل ويجعله يتصرف بحماقة ودون مسؤولية".
"عجيب أمر دينكم هذا، لم أسمع بمثل هاته التعاليم من قبل". ثم أسرّت في نفسها على البحث والتنقيب عن أسرار الإسلام لتعرف كيف تتعامل مع كريم، لأنه شغفها حبا.
انتهت السهرة، وعاد كل واحد إلى منزله لينعم بقسط من الراحة قبل بزوغ فجر يوم جديد، وعمل مضن كالعادة.
رنّ منبه كريم معلنا السابعة صباحا. استيقظ وكلّه نشاط، ثم تناول فطوره على عجل واستقل سيارة أجرة نحو عمله. عند دخوله نادت عليه موظفة الاستقبال، وأعطته ملفا ضخما به بعض المهام وما المطلوب منه حسب منصبه الجديد. استقل المصعب إلى الطابق العاشر، وتوجه مباشرة نحو قاعة ضخمة كتب على مدخلها، مركز البرمجة والحماية، عدّل من هندامه، ومرّر يده اليمنى على خصلات شعره، ثم قال: "بسم الله، توكلت على الله".
دخل كريم إلى قاعة كبيرة بها عدد من أجهزة الحاسوب المتطورة، وعلى كل جهاز موظف منهمك في عمله. توجه نحو رجل يدعى مورينو كان مكتبه في منطقة أعلى بالغرفة بحكم منصبه، وعندما وصل إليه، مدّه بورقة التوصية التي بها منصبه الجديد.. نظر إليها مورينو بامتعاض لم يُبدِه لكن كريم أحسّ به، ثم بحركة آلية أعاد له الورقة، وقال له:
"هذا مكتبك الجديد"، ولم يستطع إخفاء حنقه وهو يضيف: "الذي كان مكتبي".
شعر كريم بالحرج وتوتر الموقف، ثم قال:
"لا عليك سيدي، سنكون أصدقاء من الآن فصاعدا، ولا وجود لكلمة رئيس ومرؤوس في قاموسي".
تفحّصه مورينو بعينيه ثم أدار ظهره وتوجه نحو مكتب شاغر حيث مكانه الجديد لأنه لم يعد المشرف على المجموعة، بل أصبح كريم هو صاحب ذاك المنصب بعد إنجازه العظيم.
جلس كريم على كرسي وثير، ثم توجه إليه كافة الموظفين المتواجدين داخل القاعة يهنئونه بالمنصب الجديد. شكرهم جميعا على تهنئتهم، ووعدهم بالعمل كفريق واحد من أجل الحفاظ على سير الشركة وأمنها الالكتروني.
أقبل رمضان على كريم وهو في إيطاليا، افتقد طعام والدته وتلك الأجواء الروحانية التي كان يعيشها ببلده.. افتقد صلاة التراويح في المسجد، والإفطار الجماعي، وزيارة الأهل والأحباب. هنا، في بلاد الغربة، لا وجود لتلك العلاقات الأسرية، حتى المسجد يبعد عليه بكلوميترات، تضطره في الغالب للصلاة في البيت مع جاره المسلم.
توجه نحو الشركة كالمعتاد وأخذ يزاول عمله، وبين الفينة والأخرى كان ينظر إلى ساعته يترقب آذان المغرب الذي لم يكن ليسمعه من موقعه، بل من خلال معرفة الوقت فحسب. بقي على آذان المغرب خمس دقائق، توجه فيها كريم نحو ثلاجة بالقاعة وأخذ منها زجاجة مياه معدنية، ووضعها على مكتبه، ثم أخرج سبع ثمرات من حقيبته، وأخذ يعد الدقائق حتى حلّت اللحظة المرتقبة قال فيها : "باسم الله، ذَهَبَ الظَّمأُ، وابْتَلَّتِ العُرُوقُ، وَثَبَتَ الأجْرُ إِنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى‏"، ثم شرب الماء وما كان بحوزته من تمر. بينما هو على هذا الحال، إذ بمارية تدخل للقاعة وتتوجه نحوه وهي تحمل في يدها اليمنى كيسا بلاستيكيا وضعته على سطح مكتبه وهي تبتسم وتقول له: "إفطارا شهيا، لقد أعددت لك فطورك، أرجو أن ينال إعجابك".
تفاجأ كريم بهذا الفعل الذي لم يكن يتوقعه من مارية، لكن اعتراه قلق من أن يكون ما أتت به من طعام به شبهة حرام، فقالت له مارية: "تفضل تناول ما صنعته يداي، أم أنك لا تريد تذوق طعامي".
أجابها وهو محرج: "لا، ليس كذلك، بل..."
"بل ماذا؟؟ّ"
"أنت تعرفين أني مسلم، وتعلمين أن الطعام الذي يتناوله المسلمون يجب أن يكون حلالا".
"نعم أعلم ذلك، لذلك انتبهت جيدا وأنا أعد هذا الإفطار، فلا وجود لخمر في هذا الحساء، وهذا اللحم اشتريته من مجزرة إسلامية".
عند سماعه لما قالته، اطمئن قلب كريم، وشكرها على صنيعها وأخذ يتناول ما قدمته له وهو يبدي إعجابه بطبخها.
سُرّت مارية كثيرا بمدح كريم لطعامها، فأخذت على عاتقها أن تقدم له طعام الإفطار طيلة شهر رمضان، فكان بداية تطور العلاقة بينها وبينه، فلم يعد يحس بالحرج وهو يكلمها، وأصبحت تتردد على بيته ليستقلا سوية سيارة الأجرة من أجل التوجه نحو مقر الشركة معا.
وفي الضفة الأخرى، كانت سعاد دائمة التفكير في حبيبها الذي انقطعت أخباره منذ ما يقارب الشهرين. وعلى مائدة الإفطار، وبينما كانت تشرب الحساء، خاطبتها والدتها قائلة:
"ألم يتصل كريم بك، أو يرسل لك برسالة؟؟"
أجابتها سعاد بحزن:
"لا، لم يتصل، وقد مرّ شهران على آخر رسالة بعثها إلي".
"ألا تظنين أن انقطاعه هذا فيه شبهة؟؟"
نظرت سعاد إلى والدتها وهي تخفي غضبا قد اعتراها عند سماعها لتساؤلها، ثم قالت:
"ابعدي عنك تلك الهلوسات، فكريم يحبني ولن ينظر لأي فتاة أخرى سواي، لقد وعدني عندما يستقر في عمله سيتقدم لخطبتي والزواج بي".
أجابتها أمها بتهكم قائلة:
"أولم يستقر حتى الآن؟! لقد مرّ عام على سفره!".
قامت سعاد من على المائدة، ثم توجهت نحو غرفتها وأغلقت الباب خلفها.. ارتمت على سريرها وأخذت تبكي، فقد وقع كلام أمها عليها كسهام مسمومة زرعت الشك في قلبها.
مرّت ثلاث سنوات على تواجد كريم بإيطاليا، انشغل بعمله لدرجة أنه لم يعد يراسل حبيبته إلا نادرا رغم أن سعاد كانت مواظبة على مراسلته، وكانت تشكو إليه تردد الخُطّاب على منزلهم لخطبتها، وضغط والدتها عليها كي توافق على اختيار شاب آخر غير كريم، حيث كانت تردد على مسامعها دائما: "البعيد عن العين بعيد عن القلب، وكريم عثر على فتاة أخرى غيرك".
لم تستسلم سعاد لضغوطات والدتها، وكانت ترفض كل من جاء لخطبتها بلباقة.. وكما يقال "دوام الحال من المحال"، سقط والدها طريح الفراش، فانقطع عن عمله الذي كان يكفيهم شرّ التسول، ومع ازدياد ضغوطات الحياة المعيشية لم تجد سعاد بدا سوى البحث عن عمل كي تعول والديها.. وجدته بعد مشقة في أحد محلات الحلاقة النسائية.. لم يكن الدخل مرتفعا، لكن كان على الأقل يكفيها وعائلتها السؤال، وشراء الدواء لوالدها.
وفي أحد الأيام، دق أحدهم الباب، ففتحت سعاد وهي تنظر للطارق بدهشة، وتقول:
"سيدة سناء، ما الذي أتى بك لمنزلنا المتواضع".
أجابتها السيدة سناء، التي كانت ترتدي معطفا أسودا، وقبعة مزركشة بريش الطاووس، قائلة:
"ألا تدعينني للدخول".
"آه، عفوا، يا لقلة أدبي، تفضلي سيدتي.. تفضلي".
دخلت السيدة سناء للمنزل وهي تتفحصه بنظرها بعناية، ثم قالت لها:
"منزلكم جميل، يذكرني بطفولتي".
"شكرا لك سيدتي، هذا لطف منك".
تم دعتها للتوجه نحو قاعة الضيوف، وتوجهت هي نحو المطبخ لتعد الشاي.. بعد برهة، قدمت سعاد لضيفتها الشاي وقطعة حلوى، وتساؤلات كثيرة تدور في عقلها. أحسّت السيدة سناء بما يعتري سعاد من تساؤلات وفضول فقالت لها:
"هل تعيشين لوحدك في هذا البيت؟"
أجابتها سعاد قائلة:
"لا، سيدتي، لست وحيدة في هذا البيت، بل أعيش مع والدَيّ".
"جميل، وأين هما؟؟"
"والدي طريح الفراش من مرض ألم به، أما والدتي فقد خرجت لشراء بعض الأغراض، وستعود قريبا".
لم تكمل سعاد كلامها حتى دخلت والدتها، فتوجهت نحوها وهي تقول لها بصوت منخفض:
"أمي، لقد أتتنا ضيفة هي زبونة في المحل الذي أعمل به".
توجهت والدة سعاد نحو الضيفة، ومدت يدها لتصافحها وهي تقول مبتسمة:
"مرحبا بك سيدتي في منزلنا المتواضع".
قالت لها السيدة سناء:
"منزلكم جميل جدا وأصيل، وأعتذر إن أتيتكم دون سابق ميعاد".
"لا عليك سيدتي، أنت مرحب بك في أي وقت".
"بارك الله فيك، أظنك تتسائلين عن سبب زيارتي لكم".
"إن لم يكن هناك عدم ذوق، نعم، فليس من العادة في مثل هذا الوقت أن يأتينا ضيوف".
"خيرا إن شاء الله، كنت أنتظرك أنت بالذات للتحدث معك في أمر مهم".
اعترى الفضول والقلق، في نفس الوقت، قلب والدة سعاد وهي تقول:
"خير، اللهم اجعله خير".
فأجابتها السيدة سناء:
"خيرا إن شاء الله" قالتها وهي تنظر لسعاد بابتسامة ذات مغزى..

أحسّت سعاد بحرج من طريقة نظر السيدة سناء لها، فتوجهت مسرعة نحو المطبخ لتعد مشروبا وما يليق بهاته الضيفة الغير متوقعة.
حملت صينية بها شاي وبعض الحلويات المنزلية، وقدمتها للسيدة سناء وقد احمرّت وجنتاها من الخجل والارتباك لتلك النظرات والابتسامات التي كانت تعلو محيا الضيفة كلما التقت عيونهما.
شكرتها السيدة سناء على حسن ضيافتها، وطلبت منها الجلوس معها ووالدتها، إلا أن سعاد اعتذرت بأدب وذهبت إلى غرفتها، وذهنها يضرب أخماسا في أسداس عن سبب زيارة زبونة ميسورة الحال لعائلتها الفقيرة. لم تمض دقائق على تساؤلاتها حتى سمعت والدتها تناديها:
"سعاد.. سعاد، تعالي يا حلوتي"
تقدمت سعاد بخطوات خجولة نحو والدتها، وقلبها ينبض بشدة مخافة أن تسمعها خبرا غير سار، فكان حدسها في محله عندما قالت لها والدتها:
"بنيتي، لقد طلبت السيدة سناء يدك لابنها لؤي، فما قولك؟"
لم تحر سعاد جوابا، وانهمرت دموع حارة من وجنتيها فتركتهما وذهبت راكضة نحو غرفتها.. فارتمت على سريرها وهي تجهش بالبكاء وتقول:
"لماذا يا أمي.. لماذا؟؟"، ثم خاطبت حبيبها البعيد بعقلها الباطن:
"أين أنت يا كريم.. أخرجني من هاته الحياة البئيسة التي أعيشها، فوجودي متعلق بك أنت وحدك.. أين أنت؟؟"
وفي الغرفة المجاورة، ارتبكت والدة سعاد من تصرف ابنتها الغير متوقع، فنظرت للسيدة سناء وهي تحاول زرع ابتسامة على ثغرها وقالت:
"أعتذر سيدة سناء على تصرف ابنتي، فلست أدري ما بها"
"لا عليك سيدتي، أظن وقع الخبر كان مفاجأ عليها. دعيها على راحتها، وسننتظر جوابها بعد أن تأخذ وقتا للتفكير".
"إن شاء الله سيدتي، سنسمعكم أخبارا سارة"
"إن شاء الله"
على هاته الكلمات، غادرت السيدة سناء منزل سعاد وعائلتها.
وفي الطرف الآخر من الكرة الأرضية، وبالضبط في مدينة روما الإيطالية، كان كريم يتقدم في عمله بسرعة زرعت الحقد والغيرة في قلب بعض أقرانه، خصوصا القدامى منهم. وفي أحد الأيام، وبينما كان يهم بمغادرة مكتبه، نسي جهاز حاسوبه شغالا وهو الذي كان يطفئه دائما قبل خروجه.. لم يكن يتوقع أن هذا السهو سيسبّب له كارثة.
استيقظ كريم على دقات عنيفة بباب منزله، فتوجه راكضا نحوه وهو يقول: "من الطارق؟!"
أجابه أحدهم بصوت أجش وعال:
"افتح الباب"
ازداد توتر كريم وهو يعيد السؤال:
"من الطارق؟؟!!"
أجابه نفس الصوت قائلا:
"افتح الباب، نحن من الشرطة"
"الشرطة؟!"، قالها كريم باستغراب واندهاش وهو يفتح الباب، ليجد أمامه شخص طويل القائمة، نحيل الوجه، أسود الشعر، حليق الذقن، يلبس زيا مدنيا وبجواره شابين في مقتبل العمر يلبسان زي الشرطة الرسمي.
لم ينتظر الشرطي بزي مدني من كريم الإذن بالدخول، بل دفعه بفظاظة ودخل البيت وهو يشير إلى مساعديه بتفتيش غرف منزل كريم، الذي مازالت الدهشة تسيطر على كيانه، استفاق منها عندما دخل جاره في الإقامة "أحمد" إلى منزله، وهو يقول:
"كريم، ما الذي يجري هنا؟"
"لست أدري، استفقت على طرقات رجال الشرطة، وحتى الآن لا علم لي بما يحصل"
نظر إليهما رجل الأمن المسؤول وقال لكريم:
"لقد أتينا إلى هنا بأمر من النيابة العامة لنقوم بواجبنا".
ازدادت دهشة كريم عند سماعه لهذا الخبر، وقال:
"بأمر من النيابة العامة؟! وهل أنا متهم بشيء؟!"
"لا يمكنني البوح.. بعد تفتيش منزلك ستأتي معنا إلى مركز التحقيق"
"مركز التحقيق؟! مالي ومال هذا المكان.. أنا مواطن شريف ونزيه، ولم أخرق القانون يوما".
"سنعرف ذلك عند التحقيق معك في المكان المناسب، هيا، اذهب لتلبس ثيابك، فسنغادر الآن".
ارتدى كريم ثيابه على عجل، وطلب من جاره أحمد أن يوكل محاميا ليدافع عنه. نزل الشرطيان يسبقهما المسؤول من على سيارة الشرطة، ثم خرج كريم وقد كادت الأرض تزيغ به لشدة التوتر والضغط. دعاه المسؤول الأمني لدخول مركز الشرطة، وتوجها نحو غرفة صغيرة كتب على بابها: "غرفة التحقيقات الجنائية". دخل كريم للغرفة، فوجد طاولة صغيرة تتوسطها، وكرسيان خشبيان، ومرآة كبيرة معلقة على الحائط. طلب المسؤول منه الجلوس على أحد الكرسيين ثم غادر ليدخل شخص آخر بزي مدني كذلك، إلا أنه في مقتبل العمر، بشارب قصير، عريض المنكبين، يظهر من ملامحه الصرامة والجدية. ابتسم في وجه كريم ابتسامة صفراء، ثم جلس على الكرسي المقابل لهذا الأخير، وأخذ ينظر إليه مباشرة محاولا قراءة أفكاره، ثم قال فجأة:
"سيد كريم، حدثنا قليلا عن مجال عملك"
استجمع كريم شجاعته وقال بصوت متلعثم:
"أعمل في شركة متخصصة في مجال البورصة، اسمها شركة "أنفورماتيكا للأسهم المالية"".
"منذ متى وأنت تعمل في هاته الشركة؟"
"منذ ما يقارب السنتين الآن، لماذا؟"
"أنا الذي يسأل هنا وليس أنت"، قالها المحقق وهو يضرب بقضبته اليمنى الطاولة، ثم قال:
"وما طبيعة عملك في الشركة؟"
أجابه كريم والعرق بدأ يتصبب من جبهته:
"متخصص في نظم الحماية المعلوماتية بالشركة".
"هل تتقاضى أجرا جيدا؟"
"الحمد لله، الشركة لم تبخل علي، وأجري محترم جدا"
"هممم.. ما تقول في التجسس ونقل الأسرار للغير؟"
"هي جريمة يعاقب عليها القانون، وليست من الأخلاق"
"وما قولك في من قام بهذا الفعل؟"
أجابه كريم دون تردد:
"عليه أن يتحمل تبعات تصرفه، ويعرض أمره للعدالة لتقول فيه كلمتها"
"إذن فأنت تعترف"
"أعترف على ماذا؟" قالها كريم بدهشة.
"تعترف بأنك تقوم بالتجسس ونقل أسرار شركتك لشركة منافسة".
انتفض كريم، وقام من مكانه وهو يقول بصوت مرتفع:
"كيف تجرأ على اتهامي، أنا إنسان شريف، وأعرف القانون"
أجابه المحقق ونبرة السخرية والتهكم ظاهرة على صوته:
"إنسان شريف وتعرف القانون، ههه، كل من يدخل لهاته الغرفة يردد نفس الكلام"
"أقسم لك، لم أخرق القانون في حياتي لا في بلدي الأصلي ولا هنا"
"سيد كريم، بدون لف أو دوران، اعترف أحسن لك"
لم يكمل المحقق كلامه، حتى دخل أحد رجال الشرطة الغرفة، وتوجه نحوه وهمهم له بشيء في أذنه لم يسمع كريم شيئا منه، سوى ما قال المحقق وهو ينظر للشرطي:
"لا بأس، دعه يدخل"
دخل رجل في الخمسينيات من العمر، قصير القامة، مكتنز البطن، يحمل حقيبة سوداء، ويلبس نظارة طبية، سلم على كريم والمحقق، ثم جلس بجوار كريم وهو يقول للمحقق:
"أنا محامي موكلي كريم، أرجو أن تتركنا لوحدنا بعض الوقت"
وافق المحقق على مضض، وقبل أن يتركهما في الغرفة وحدهما وجه كلامه للمحامي قائلا: "ربع ساعة لا أكثر" ثم غادر.
استدار المحامي نحو كريم وطلب منه الجلوس، ثم قال:
"اسمي سلفادور، أرسلني صديقك أحمد للدفاع عنك، أرجو أن تخبرني بكل شيء"
أجابه كريم والحيرة بادية عليه:
"شكرا لك سيدي على تكلفك مشقة المجيء إلى هنا"، ثم أخبره بكل ما جرى له هذا اليوم بالتفصيل الممل. وختم كلامه ب: "أظنهم ارتكبوا خطأ باعتقالي وسيفرجون عني بعد قليل".
أخذ المحامي يتفحص ملامح كريم بعين خبيرة، حتى تيقن من صدق كلام هذا الأخير، ثم قال له:
"سيد كريم، أرجو أن تلتزم الصمت من الآن فصاعدا، ودعني أنا أتكلم، اتفقنا".
"اتفقنا"، قالها كريم وهو ما يزال غير مصدقا لكل ما يحدث له.
انقضت المهلة التي منحهما المحقق، ثم دخل وتوجه نحو كرسيه وهو يوجه كلامه لكريم:
"هااااه، هل أنت مستعد للاعتراف الآن؟"
هنا قال المحامي سلفادور :
"هل لي بمعرفة التهمة التي توجهونها لموكلي؟"
"طبعا..طبعا.." قالها المحقق بسخرية وأضاف: "لا شيء كبير، تهمته أنه كان يسرب معلومات عن أسهم زبائن شركته لشركة منافسة.. فقط".
"هل لديكم دليل على ما تقولونه؟"
"نعم لدينا دليل مادي قوي على تورط السيد كريم بهاته الجريمة"
هنا، انتفض كريم مرة أخرى وهو يقول:
"أي دليل لديكم ضدي.. هذه مكيدة دبرت لي"
هنا قال له المحقق:
"هااااااه، ممن؟؟ هل لديك أعداء؟؟"
أجابه كريم وهو يحاول تهدئة نفسه:
"لا، ليس لدي أعداء، ولا أعرف من يمكنه أن يورطني في مثل هاته الجريمة النكراء".
ضغط المحامي على كتف كريم في إشارة منه لأن يهدأ وأن يجلس صامتا، فشعر بالحرج وهو يقول لسلفادور:
"آسف على انفعالي، لن أكرّره مرة أخرى، وسألتزم الصمت كما طلبت مني".
استغرق التحقيق ما يقارب الأربع ساعات، خرج منه كريم بكفالة وضمانة محل إقامته، على أن يتم عرضه على المحكمة بعد شهر.
انتشر خبر التحقيق مع رجال الأمن أرجاء الشركة، فتغيرت نظرة معظم الموظفين بها نحو كريم، إلا مارية، هي التي كانت تواسيه وتدافع عنه أمام باقي الزملاء، وتمدح في أخلاقه وشرفه وتفانيه في العمل.
مرّ الشهر بسرعة، وتوجه الكريم رفقة مارية وجاره في السكن أحمد ومحاميه نحو المحكمة. دخلوا جميعا لقاعة بها العديد من الكراسي، ومنصة مخصصة للقاضي. جلس كريم رفقة المحامي بالقرب من المنصة، بينما جلست مارية وأحمد في المكان المخصص للعموم.
"محكمة"، نطقها الحاجب بقوة، فوقف الجميع احتراما لقدوم القاضي ومستشاريه. بعد ذلك، جلسوا جميعا.
أخذ القاضي يتفحص ملف القضية، ثم أعطى الأمر لوكيل النيابة بالتحدث. اعتدل وكيل النيابة واقفا، ثم قال:
"سيدي القاضي، أيها السادة المحلفون، إن هذا الشخص الماثل أمامكم لهو خير مثال على أن المعاملة بالحسنى لا تنفع مع من هم مثله. هذا المتهم، من دولة عربية، قدم إلى بلدنا، حسب قوله، من أجل أن يساهم في تقدمها، وطبعا في تحسين وضعيته، إلا أن نيته كانت عكس ما كان يدعي.. أراد أن يخرّب اقتصادنا ويجعلنا نتخلف مثل تخلف دولته".
هنا قاطعه محامي كريم قائلا:
"أعترض، ما دخل ما قال السيد وكيل النيابة مع ما نحن بصدده من اتهامات باطلة موكلي بريء منها؟!".

قَبِلَ القاضي اعتراض محامي الدفاع، وطلب من وكيل النيابة العامة أن يدخل إلى صلب الموضوع.
علت ابتسامة ساخرة من فم وكيل النيابة وهو ينظر إلى محامي الدفاع، ثم قال موجها كلماته إلى  القاضي والمحلفين:
"المتهم المدعو بكريم، يشغل حاليا منصب المسؤول عن نظم الحماية الالكترونية في شركة "أنفورماتيكا للأسهم"، وهو بهذا، يمكنه أن يطلع على حسابات عملاء الشركة بكل سهولة لخبرته في مجال المعلوميات".
اعترض مرة أخرى محامي كريم مرافعة وكيل النيابة، واعتبر كلامه إيحاءات لا أساس لها من الصحة. لكن واصل النائب العام كلامه: "ما أريد أن أقوله، سيدي القاضي، حضرات السادة المحلفون، هو أن السيد كريم ساهم في سرقة بعض عملاء الشركة، وذلك بمد جهة أجنبية بأرقام حسابات هؤلاء المستثمرين، مما كان له الأثر السلبي على رصيدهم وحصصهم في الشركة".
هنا، طالب محامي الدفاع الكلمة من القاضي، فأعطاه الإذن.
"سيدي القاضي، حضرات السادة المحلفون، موكلي السيد كريم، هو مثال للشباب الشرفاء، الذين لا يدخرون جهدا في سبيل تحقيق أحلامهم بكل نزاهة. دخل إلى بلدنا من أجل تحسين وضعيته المعيشية، وأيضا من أجل اكتساب مهارات جديدة يفيد بها بلده المضيف، وهذا ما كان. والملف الذي قدّمته لكم، سيدي القاضي، به أدلة دامغة على أن موكلي لا علاقة له بتلك السرقة التي اتهم بها زورا وبهتانا.
سيدي القاضي، السيد كريم، موظف بالشركة ما يقارب السنتين، وخلال هاته المدة القصيرة قام بما لم يقم به أقرانه منذ سنوات، فهو كان السبب في إحباط العديد من محاولات التسلل لأنظمة الشركة وسرقة معلوماتها السرية، وبفضل أعماله هاته، تمّت ترقيته إلى المسؤول الأول عن الحماية. فلو كان ما يقوله، السيد النائب العام، صحيحا، لما تكلّف موكلي عناء الحماية، ولسرّب ما يمكن تسريبه من معلومات إلى أطراف أجنبية، كما يدّعي السيد ممثل الحق المدني، بكل سهولة، وبدون أن يترك أدنى أثر لفعلته".
بعد سماع مرافعة محامي الدفاع، أعطى القاضي الكلمة للنائب العام من أجل تقديم دليل الاتهام، فكان جواب هذا الأخير:
"سيدي القاضي، الدليل الذي نقدمه بين يديك، هو عبارة عن ترصد الجهاز الذي تمّ تسريب المعلومات من خلاله. وبعد البحث والتحري، واستجواب الشهود، تبين لنا، الجهاز الذي كان محور العملية برُمّتها هو في حوزة السيد كريم، المتهم في هاته القضية.
لقد استدعينا خيرة خبراء الحماية والتجسس المعلوماتي، حيث قاموا بتتبع عناوين (IP) حواسيب الشركة بأكملها، ووجدوا أن التسريب خرج من جهاز المتهم. وقد أكد لنا الموظفون الذين يشتغلون مع المتهم في مكتبه بأنه الوحيد الذي يجلس على ذاك الجهاز، ولا أحد يقربه بتاتا".
بعد أن أنهى وكيل النيابة مرافعته، خرج المحلفون للمداولة وتقييم الوضع من أجل النطق بالحكم. في تلك الأثناء، كانت مارية وأحمد تراقبان كريم من الخلف، وكل واحد منهما يرجو من الله أن يلهم المحلفين الرشد والحكمة كي يبرؤوا صديقهم من التهمة الباطلة. وهما على تلك الحال، إذ بكريم ينظر خلفه ليجدهما ينظران إليه بدورهما، فابتسم لهما، وقال:
"شكرا لك مارية، وأنت يا أحمد، على مساندتكما لي في هذا الموقف العصيب، وإن شاء الله ستظهر حقيقة براءتي، حتى وإن  تم الحكم علي، فربما هو خير لي، وسأكون راضيا بقضاء الله وقدره".
انتفضت مارية، دون وعي منها، لكلماته، وقالت بصوت يكاد يكون مرتفعا: "كيف تقول: حتى وإن تم الحكم علي،  فهو خير لي؟؟ وكيف يكون الله قدر لك هذه المصيبة؟؟"
"عزيزتي مارية، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ. إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ".
كلام كريم، لجم لسان مارية، فلم تجد بدا من البكاء لعجزها عن الوقوف إلى جانبه في محنته.
بينما هما على هذه الحال، إذ بالحاجب يقول:
"محكمة"
فوقف الجميع احتراما لدخول القاضي والمحلفون للقاعة، ثم أشار القاضي للجميع بالجلوس، بعد ذلك توجه للمنتدب عن المحلفين، وقال له:
"هل اتخذتم قرارا بخصوص الحكم؟"
أجابه المحلف المنتدب:
"نعم سيدي القاضي"
وقف الجميع، وحُبِست الأنفاس، وارتفعت دقات القلب لدى كل من كريم ومارية وأحمد، وهم ينتظرون النطق بالحكم، ثم قال المحلف:
"بعد سماع مرافعات كل من السيد النائب العام، ومحامي الدفاع، وما عايناه في ملفات القضية، وجدنا أن المدعو كريم متهم بتهمة تسريب معلومات عملاء شركة أنفورماتيكا للأسهم".
تهاوى كريم على مقعده متهالكا وهو لا يصدق الحكم، وانهارت مارية بالبكاء الشديد، وأخذ أحمد يلعن الجميع لأنه متأكد من براءة صديقه، إلا أن القاضي أوقفه بشدة، وقال له:
"إن لم يعجبك الحكم، فما عليك سوى مغادرة القاعة، وإلا قمنا بسجنك أنت أيضا".
توقف أحمد عن الاحتجاج، وجلس صاغرا في مقعده، ونظر إلى مارية بشفقة، ومد لها منديلا كي تجفف دموعها، ثم أتت الصدمة الثانية، حيث حكم القاضي على كريم بالسجن مدة أربع سنوات نافذة، فما كان من مارية إلا أن أغمي عليها.
لم يستطع كريم النوم في أول يوم بالسجن المركزي لروما، فقد كانت مسيرة حياته تمر بمخيلته بسرعة، وتتهاوى أحلامه الواحدة تلوى الأخرى، واستقرت صورة سعاد في مخيلته وهي تنتظره أن يبشرها باستقراره واستعداده للزواج بها، فذرف دمعة وهو يخاطبها كأنها أمامه:
"اعذريني حبيبتي، كان بودي أن أبشرك بأني استقررت، وأن زواجنا بات وشيكا، لكن مشيئة الله كانت أقوى، ولا راد لقضائه سبحانه. أعلم أني ظلمتك بانتظارك لي، وأني حرمتك من أسعد سنوات عمرك، لكن الآن أنا عاجز، وإن وجدت السعادة مع غيري، فلن أغضب أو أحزن، بل العكس، سأكون سعيدا بدوري، لأن الحبيب يتمنى دوما سعادة محبوبته كيفما كانت الظروف أو النتائج".
أخيرا، تسلل النوم إلى جفنه، فافترش الأرض وغط في نوم لم يكتمل لأن سجّانه أيقضه بغلظة وقال:
"استيقظ، لقد حان وقت النداء الصباحي".
استيقظ كريم وهو يغالب نومه، وتوجه نحو العنبر الرئيسي ووقف مع باقي المساجين في طابور طويل، وانتظر سماع اسمه، إلا أنه سمع عوضا عنه رقم دخوله للسجن "511"، فقال:
"السجين رقم 511 حاضر".
ثم عاد للصف مرة أخرى.
بعد الانتهاء من حصة النداء، توجه كافة السجناء نحو قاعة كبيرة لأكل وجبة الإفطار، وبما أن كريم سجين جديد، كانت الأنظار كلها متجهة نحوه، وتعليقات هنا وهناك تدور حوله، هناك من كان يقول: "لقد قتل زوجته"، وآخرون يقولون: "لقد سرق بنكا"، إلى غير ذلك من الإشاعات التي كان يطلقها السجناء عند رؤيتهم لأي وافد جديد إليهم.
أخذ كريم يقلب ناظريه عله يجد طاولة فارغة يجلس فيها كي يأكل فطوره المتواضع، إلا أن الجميع كان يرفض الجلوس معه، ما عدا أحد السجناء، كبار السن، أشار إليه بيده وابتسامة تعلو محياه، فدعاه لمشاركته الطاولة.
شكره كريم على كرمه ولطفه، وجلس يأكل طعامه ويتبادل معه أطراف الحديث، وأخذ يروي كل واحد منهما قصته للآخر، فاكتشف كريم  أن هذا الشيخ عربي الأصل، كان موظفا في أحد البنوك، ولمرض أحد أبناءه ودخله الذي لا يسمح له بعلاجه، اضطر إلى اختلاس مبلغ كبير من البنك الذي كان يعمل به، لكن أجهزة المراقبة ضبطته متلبسا، فأودع السجن بتهمة محاولة السرقة وحكم عليه بالسجن مدة طويلة، كان من نتائجها أن توفي ابنه المريض، وها هو الآن في السجن يجر الندم والحسرة.
مرّت ستة أشهر على دخول كريم السجن، واظبت فيها مارية وأحمد على زيارته كلما سنحت لهما الفرصة.
 ذات صباح، أتت مارية لزيارة كريم والفرح باد على وجهها النضر، رآها كريم خلف شبّاك حديدي، فأشار لها أن يلتقيا في المكان المخصص للزيارة وهو يتساءل عن سبب كل ذاك الفرح الذي يعلو محيا صديقته. صافحته ومدّت له ببعض الأطعمة التي دأبت على إعدادها له، إضافة إلى بعض الألبسة الجديدة، ثم قالت له:
"لقد وافقت المحكمة على إعادة فتح ملفك من جديد نزولا عند طلب محاميك".
"الحمد لله" قالها كريم وهو يخرج زفرة ارتياح، فأمسك بيدي مارية التي تفاجأت بتصرفه، ونظر مباشرة إلى عينيها وقال:
"لا أدري كيف أشكرك.. لولاك لما تحملت العيش في هذا المكان الكئيب يوما واحدا".
توردت وجنتا مارية بلون أحمر أضفى إليها جمالا على جمالها، فأشاحت بناظريها عنه وقالت:
"هذا أمر عادي، فأنا متأكدة من براءتك، لأني منذ عرفتك وأنا أرى فيك الرجل الشهم الشريف، الذي لا يرضى بالحرام والخيانة".
وفي نفس الوقت، وعلى بعد آلاف الكليومترات، كانت سعاد تكتب لحبيبها، وهي التي واظبت على مراسلته أشهرا معدودة دون أن تسـتقبل ردا على رسائلها، وتسـتجديه أن ينقدها من هذا الوافد الجديد الذي أتى لخطبتها، خصوصا وأن والدتها ووالدها مصران على إتمام الخطبة والزواج، روت رسالتها بدموع حارة علّ كريم يراها فيأتي مسرعا لنجدتها، لكن خاب أملها بعد مرور شهرين على كتابتها دون أدنى أثر لحبيبها. ومع ضغط الوالدين، وإصرار السيدة سناء على إتمام الخطبة لأن ابنها شغف سعاد حبا، رضخت للأمر صاغرة.
كان زفافا كبيرا، في أفخم فندق بالمدينة، حضره علية القوم من أصدقاء السيدة سناء، بحكم أنها من ذوي النفوذ في المنطقة، كان الجميع سعيدا بهذا الحدث، ما عدا سعاد، التي كانت تنظر للجميع نظرات خاوية، وعقلها مغيب تماما، لأنه كان أسير حبيبها كريم الذي لم تستطع نسيانه، لاحظت والدتها شرودها، فتوجهت إليها وهي تبتسم للضيوف وقالت لها وهي تنحي نحوها:
"سعاد، عودي إلى الواقع فأنت الآن أصبحت زوجة رجل آخر، حاولي أن تنسي كريم، لأن قدركما أن يشق كل واحد منكما طريقه بعيدا عن الآخر، ارضي بما كتبه الله لك.. عزيزتي، ابتسمي لضيوفك، فما ذنبهم أن يروك عابسة هكذا في يوم تفرح فيه من هن بمثل سنك".
نظرت إليها سعاد وهي تقول لها دون أن تنبس ببنت شفة: "أمي، أرجوك، خديني من هذا المكان، لا أسـتطيع التنفس، أكاد أختنق.. أمي، كيف أبتسم وسبب سعادتي بيني وبينه أميال طويلة !؟ أرجوك، أتوسل إليك، أيقظيني من هذا الكابوس لأعود لرشدي".
ربتت والدتها على كتفها برفق، فأيقظتها من شرودها، وأعادتها إلى واقعها الذي حاولت الهروب منه، فلم تجد بدا من الابتسام للضيوف الذين أتوا لزفافها.
مرّ شهران على زفاف سعاد من لؤي، كان هذا الأخير في قمة سعادته، فقد تحقق حلمه أخيرا، وحاول بكل ما يملك من قوة أن يزرع البسمة على وجه زوجته، ولم ييأس. وكأن السعادة حُرّمت على سعاد.. ففي أحد الأيام، دخلت حماتها سناء إلى الفيلا التي تقطن بها مع ابنها وزوجته وهي تستشيط غضبا، وتصرخ في وجه كل من تقابله، سمعتها سعاد من غرفتها، فنزلت مهرولة على الدرج، وقالت لها:
"خالتي، ما بك، خيرا إن شاء الله".
"خيرا!؟ وأين سيأتي هذا الخير؟ كان يوم شؤم أن دخلت لمنزلنا، يا ليتني لم أوافق على زواجك بابني الوحيد.. يا ليتني".
صعقت سعاد من خطاب حماتها، وأحست بخنجر حاد اخترق قلبها، فلم تجد سوى الدموع لترد على كلامها، صعدت مسرعة إلى غرفتها، وارتمت على سريرها الوثير وأخذت تشهق بالبكاء، فدخل لؤي ليجدها على تلك الحال، اعتراه القلق، فاقترب نحوها، وضمها إليه بحنان وهو يقول:
"ما خطب حبيبتي ومهجة قلبي؟"
أخذت سعاد تشهق، وتتمتم بكلمات غير مفهومة، فاشتد قلق زوجها، وهو أخذ يمسح دموعها بيديه، وقال والقلق باد في نبرة صوته:
"سعاد، ما الأمر، صارحيني أرجوك؟"
استجمعت سعاد قوتها، وصارعت لأن تحبس دموعها فقالت له:
"اسأل والدتك"، ثم عادت تجهش بالبكاء.
ذهب لؤي إلى والدته، فوجدها تبكي هي الأخرى بعدما جعلت غرفتها في حالة يرثى لها من الفوضى الذي صنعتها بهستيريتها. رفعت بصرها فوجدته أمامها، فلم تشعر إلا وهي تقفز نحوه وتضمه وتقول:
"حبيبي، إن كنت تحبني فعلا، فأرجوك أن تنفذ طلبي".
"أماه، ما هذا الكلام، طبعا أنا أحبك، وسأنفذ كل ما تطلبينه مني.. فمنذ متى كنت أخالف أوامرك؟!"
"إذن عليك أن تطلق زوجتك".
انتفض لؤي من مكانه كمن ضربته صاعقة، ونظر إلى والدته نظرة اندهاش وعدم تصديق، خيل له أنه لم يسمع جيدا، فقال لها:
"ماذا قلت؟!"
"قلت، طلق زوجتك"
"لماذا يا أمي، ألست أنت من اقترحها علي أول مرة، فجعلتني أتعلق بها تعلقا لا أستطيع التخلص منه".
"يا ليتني لم أعرفك بها، ويا ليتني مت قبل أن أخطبها لك"
"لا تقولي هذا الكلام، أماه، ما الذي فعلته سعاد حتى تنقلبي عليها هكذا؟"
"هي السبب.. هي السبب"
"هي السبب في ماذا؟!"
"بسببها تهاوت أسهم شركتنا كثيرا، وتكبدنا خسارة فادحة لسـت أدري كيف يمكننا التعامل معها"
لم يقتنع لؤي بكلام والدته، فقال:
"وما ذنب سعاد من كل هذا، فهي لم تقرب يوما لشركتنا"
ارتفعت نبرة صوت سناء وهي تقول لابنها:
"لا يهمني، المهم أنها كانت شؤما على عائلتنا، وإن لم تنفذ أوامري فلن أكون أمك، ولن تكون ابني".
صدم لؤي من كلام والدته، ولم يعلق عليه، بل خرج من غرفتها مسرعا نحو زوجته، وتوجه مباشرة نحو دولاب ملابسهما، وأخذ يجمع ملابسه وملابس سعاد في حقيبة كبيرة. نظرت إليه سعاد وهي تكفكف دمعها، وتقول:
"لؤي، ماذا تفعل؟"
أجابها لؤي:
"ماذا ترين؟ أجمع ملابسنا، سنغادر هذا المكان فورا"
"لماذا؟"
روى لها كل ما جرى بينه وبين والدته، فما كان من سعاد إلا أن خفق قلبها لأول مرة له لموقفه النبيل ودفاعه عنها.
نزلا الدرج معا، فرأتهما سناء وصدمت عندما وجدت ولدها يحمل في يده اليمنى حقيبة كبيرة، فقالت:
"ماذا تحمل في يدك يا لؤي؟"
"كما ترين، أحمل حقيبة بها ملابسي وملابس سعاد، سنترك لك هذا المنزل كما ترغبين"
صعقت سناء من كلام ابنها، فقالت له:
"لم آمرك بأن تتركني، كل ما أردته أن تترك هاته المشؤومة فقط"
"سعاد هي نصفي الآخر، ولا أستطيع الاستغناء عنها، فإن أردت سنبقى سوية، أو نرحل معا".
عقد لسان سناء، فلم تحر جوابا، بل أشاحت بناظرها عنهما وقلبها يعتصر ألما، لأنها تعلم أن ابنها لن يغير رأيته، فقد خبرته، وخبرت عناده.
وعند وصول لؤي وسعاد لباب الفيلا، اسـتدارت سناء وقالت لابنها بصوت مرتفع:
"إن خرجت من هذا الباب، فلن تعود إلى هنا أبدا، ولا تفكر في العودة إلى عملك أيضا"
لم يجبها لؤي، واكتفى بالإمساك بيد سعاد، وخرجا معا من منزل والدته الذي عاش فيه سنين طويلة.
توجها مباشرة نحو البنك  الذي يتعاملا معه، فسحب لؤي نصف حسابه منه، ثم ذهب عند أحد أصدقائه الذي يعمل في إحدى الوكالات العقارية، وطلب منه أن يجد له بيتا يكتريه، فكان له ذلك.
دخلا في منتصف الليل لأحد المنازل الواقعة على مشارف المدينة، كان مهترئا بعض الشيء، ولم يجدا فيه سوى حصيرة واحدة فقط، كانت ملقاة على الأرض. أخرجت سعاد ما كان في حقيبتهما، فوجدت إزارا وضعته فوق الحصيرة، ودعت زوجها للنوم. لبى لؤي الدعوة، وتظاهر بالنوم، إلا أن عقله كان يفكر في كل ما جرى، ويحاول البحث عن حلول لمأزقهما. ظل على هاته الحال حتى أشرقت الشمس، فنهض من مكانه، وترك سعاد تغط في نومها، وخرج وقد عقد العزم على البحث عن عمل جديد.
طاف لؤي بين شركات عدة، وعرض عليها خدماته وتجاربه، إلا أنه كان يقابل دائما بنفس  الرد: "لدينا ما يكفينا من الموظفين، وإن كان هناك مكان شاغر سنقوم بالاتصال بك".
دب اليأس في نفسه، وعاد مطأطئ الرأس نحو منزله الجديد، فتح الباب، فوجد سعاد تنظر إليه في تساءل، ثم فجأة أمسكت بيدها فمها، وتوجهت مباشرة نحو الحمام، أخذت تقيء بشدة، ثم دارت بها الأرض، فسقطت فاقدة الوعي. هرول نحوها لؤي، فوجدها على تلك الحالة.. أخرج هاتفه النقال بسرعة وطلب الإسعاف..
في المسـتشفى، اسـتفاقت سعاد من إغمائها وهي ما تزال تحس بالدوار، وقالت للؤي الذي وجدته يمسك بيدها في حنان:
"أين أنا؟"
أجابها لؤي وابتسامة كبيرة تعلو محياه:
"في المسـتشفى حبيبتي"
"في المستشفى؟!" قالتها سعاد مسـتغربة، وأردفت:
"وما الذي أفعله في المسـتشفى؟!"
"لقد أغمي عليك في المنزل، فاضطررت لنقلك إلى هنا"
"وما كان سبب إغمائي؟ على حد علمني لا أعاني من أي مرض، أيكون ضغطي ارتفع بسبب ما عانيناه أمس من أحداث؟؟"
"ليس ضغط يا حبيبتي.. بل شيء آخر.. شيء جميل..جميل جدا"
"شيء جميل؟! وما هو الشيء الجميل الذي سيسبب لي الدوار والغثيان والإغماء؟؟!!"
"أنت حاااااااااااااااامل"، نطقها لؤي وهو يصرخ فرحا ويقبلها على جبينها، ويتحسس بطنها برفق.
نظرت إليه سعاد غير مصدقة، وقالت:
"أأنت متأكد مما تقول؟"
"نعم حبيبتي، فلقد فحصتك الدكتورة، وقالت لي بأن سبب الدوار والغثيان هو الحمل، أما الإغماء فكان نتيجة هذا التحول المفاجئ الذي لم يستطع جسمك تحمله، خصوصا مع الأحداث الأخيرة التي عشناها".
فرحت سعاد بخبر حملها، وطلبت من زوجها أن يخرجها من المسـتشفى لأنها لا تريد البقاء فيه، خصوصا وانه سيكلفهما مالا كثيرا، وحالتهما المادية الآن ليست كما كانت عليه في السابق.
عند دخولهما للمنزل، تفاجأت سعاد بأثاث جميل، متواضع ومتناسق، فنظرت إلى زوجها الذي قال لها وهو يقربها نحوه:
"ما ترينه الآن هو عربون امتناني لك، لأنك ستكونين سببا في أن أصبح أبا".
"هذا كثير.. كثير علي حبيبي".
"حبيبي.. حبيبي.. لأول مرة أسمعها منك منذ تزوجنا.. أرجوك أن تعيديها على مسامعي"
احمرت وجنتا سعاد خجلا، وقالت:
"حبيبي.. "
"الله، ما أجمل هاته الكلمة وهي تخرج من ثغرك الجميل"
ثم ضمها إلى صدره بحنان، وطلب منها الاسـتلقاء على السرير لترتاح، وبشرّها بأنه وجد عملا في ميدان البناء، ولو أنه بعيد كل البعد عن تخصصه، إلا أن ظروفهما الآن تحتم عليه العمل في أي مجال كيفما كان.
مرّت تسعة أشهر على حمل سعاد، واقتربت ساعة الولادة. أتاها المخاض في منتصف شهر رمضان، فتوجه بها لؤي نحو مستشفى الولادة، هناك وضعت مولودها، بعد معاناة شديدة من المخاض، لم تهنئ إلا بعدما سمعت صراخ وليدها، الذي كان ذكرا، غير أنها عندما رأته وجدت ملامحه تميل إلى الزرقة، فاعتراها قلق خفي.. طمأن الطبيب سعاد على صحة المولود، وقال لها:
"لا تخافي، فعادة ما يكون لون الأطفال حديثي الولادة يميل إلى الزرقة، وهذا ناتج عن ابتلاعهم للقليل من السائل السلوي، سنحاول إخراجه من جوفه بسهولة، ونقوم ببعض التحاليل حتى نطمئن على صحته أكثر".
نزل كلام الطبيب على قلب سعاد بردا وسلاما، وفي تلك اللحظة، دخل لؤي إلى غرفة العمليات، ورأى مولوده تحمله ممرضة لإجراء فحوصات عليه، ثم وجّه وجهه نحو زوجته وقال لها:
"الحمد لله على سلامتك حبيبتي"
"الحمد لله، عزيزي، لقد رزقنا بابن ذكر"
"حقا.. الحمد لله"
"نعم، الحمد لله"
"عزيزتي، لقد فكرت مليا قبل ولادتك، وقلت في نفسي إن كان المولود ذكرا، سنسميه "يوسف" تيمنا باسم والدي رحمه الله، وإن كانت بنتا سنسميها "رجاء"، فما رأيك؟"
أجابته سعاد وهي تمسك بيده اليمنى:
"عزيزي، لاشك أن الأسماء التي اخترتها لمولودنا جميلة، لكن كان لدي اسم ادخرته منذ زمن إن رزقنا الله بابن ذكر".
"ما هو عزيزتي.. أخبريني به".
"كريم، اسم لطالما حلمت به، وأسأل الله تعالى أن يكون ابننا اسم على مسمى، ويحمل صفاتك النبيلة".
"كريم.. كريم.. اسم جميل كذلك، إذن سنسميه كريم"، فضحك وضحكت معه سعاد.
وعلى بعد آلاف الكيلومترات، وفي سجن روما، كان كريم ينهل من الكتب القانونية عساه يعتر على ثغرات تكون في صالحه، وبينما هو كذلك، إذ عاوده الحنين إلى بلاده، وإلى والديه وحبيبته التي تركها دون أن يعرف أخبارها. بينما هو في تفكيره، إذ ناداه سجانه وأخبره بأن له زيارة . ذهب كريم إلى المكان المخصص للزيارات، فوجد مارية تنتظره، كالعادة، محملة ببعض المأكولات والألبسة، شكرها على صنيعها وعلى لطفها وقال:
"مارية، أشكرك جدا على كرمك ولطفك معي، ولو تفضلت لي رجاء جديد، فهل تلبينه لي؟".
"تفضل كريم، طلباتك أوامر، فما أنا هنا إلا من أجل السهر على خدمتك وراحتك".
"بارك الله فيك، عزيزتي"
احمرت وجنتا مارية خجلا عند تلفظ كريم بكلمة "عزيزتي" لأول مرة، فاخفت ابتسامة كانت ستظهر على محياها، ثم أردفت:
"ما هو طلبك ؟"
"أريدك أن تذهبي إلى مركز البريد، وتأتيني بالرسائل التي وردت إلي من بلادي، ستجدينها في صندوقي الخاص هناك"
"لكن، كريم، أنى لي بمفتاح صندوقك البريدي؟"
"اذهبي إلى أحمد، جاري، سيمدك بالمفتاح، لقد طلبت منه ذلك من قبل"
"حسنا، سأذهب فورا"
"شكرا لك.. شكرا جزيلا"
تصافحا، ثم تركته مارية يعود إلى زنزانته، وذهبت هي إلى أحمد كي تأخذ مفتاح الصندوق البريدي.
كانت الساعة تقارب الخامسة مساء عندما دلفت مارية إلى مركز البريد، وتوجهت مباشرة نحو المكان المخصص لصناديق الودائع، بحثت عن رقم صندوق كريم إلى أن وجدته، أدخلت المفتاح ثم فتحت الصندوق، فوجدت عشرة رسائل آتية من موطنه، ومجلة علمية. أخذت جميع ما وجدته، ثم توجهت لمنزلها، وفي صبيحة اليوم الموالي، توجهت نحو السجن المركزي لزيارة كريم ومده بما وجدته في صندوقه.
توجه كريم كالعادة نحو المكان المخصص للزيارة، فوجد مارية تنتظره وفي يدها مجموعة من الرسائل ومجلة، عرف أنها نفذت ما طلبه منها.
جلس قبالتها، فقالت له مارية وهي تصافحه:
"تفضل، عزيزي، إليك ما طلبت"
أخذ كريم ما بحوزتها، وتصفحها بعجالة ولهفة المشتاق، فوجد أن الرسائل غالبيتها من حبيبته سعاد، واثنان منها من والديه، إضافة إلى مجلة علمية مشترك بها.
شكرها وطلب منها العودة إلى المكتب الآن لألا يشكل غيابها مشكلة لها. تركته وهي تعده بزيارة أخرى في نفس الأسبوع.
توجه كريم مباشرة نحو زنزانته، وأخذ يقرأ تلك الرسائل التي وصلت له منذ زمن بلهفة وشوق، إلى أن توقف عند واحدة أعاد قراءتها عدة مرات، وفي كل مرة تنهمر دموعه لتبلل الرسالة.
 قالت فيها سعاد:
"كريم، لقد انتظرتك طويلا، وراسلتك حتى جفت أقلامي ودموعي الذي كنت أروي بها رسائلي إليك، لكن للأسف، لم أجد منك تجاوبا.
كنت أنتظر منك إشارة أو بصيص أمل تعبره فيه عن حبك لي وتعلقك بي، لكن، وجدت بالمقابل التهميش والجفاء.
لقد رفضت لأجلك العديد من الخُطّاب، لدرجة أن والدي كانا يؤنبانني في كل مرة أرفض فيها شابا تقدم لخطبتي، وكان سبب رفضي لهم أني مازلت أحبك، وأنك ستأتي يوم لتنتزعني من هنا، فكانا يسخران مني، وكنت صابرة، لأني أعرفك وأعرف أنك تلتزم دائما بوعودك.
لكن، وا أسفااااه، لقد خيبت ظني. ها قد مرّت سنتان ولم يصلني منك سوى رسائل معدودة لم تشف غليلي منك، أكثرت من الوعود حتى مللت، ويئست.
كريم، إن كنت تقرأ رسالتي هاته، فأرجو أن ترد علي، أما زلت تحبني؟ أمازال قلبك ينبض بحبي؟
أرجوك، بل أتوسل إليك، عد بسرعة، فلست أدري كم بقي لي من طاقة لأتحمل ضغط والدي، وها قد أتت سيدة تطلبني لابنها، وأنا مازلت حائرة، ومقاومة لفكرة الزواج إلا منك.
في انتظارك، حبيبتك: سعاد".
أخذ كريم يقبّل الرسالة عدة مرات، ودموع القهر تنهمر شلالا عليها، فهو يعلم جيدا أنه عاجز عن تلبية نداءها، فهو الآن سجين بين جنبات أربع جدران عفنة، بصيص ضئيل من نور يدخل له ليأنس وحشته.
نام وهو يضم تلك الرسالة، وفي صبيحة اليوم الموالي، ناداه سجانه قائلا:
"السجين رقم 511، لديك زيارة"
توجه كريم نحو مكان الزيارات، وهو متيقن أنه سيجد مارية، إلا أنه تفاجأ بمحاميه ومارية وأحمد معا، الكل يبتسم في وجهه.
اقترب نحوهم، وهو يقول:
"ما سر هاته الزيارة المفاجأة وهاته الفرحة التي أراها في محياكم؟!"
لم تقو مارية على الانتظار، فقالت وهي تكاد تصرخ من الفرحة:
"كريم.. كريم.. لن تصدق ما الذي جرى أمس"
ارتفعت نبضات قلب كريم، وهو يقول:
"ما الذي حدث، أخبروني بالله عليكم".
روى له محاميه كل ما حدث، فقد تم القبض ليلة أمس على أحد الموظفين الذين كان يعمل معه في نفس القاعة متلبسا بنفس الجريمة التي اتهم بها، وعند استجوابه، اعترف بأنه من قام بالجريمة الأولى، وذكر لرجال الشرطة  التفاصيل كاملة، حيث قال:
"لقد كنت أتحين الفرصة لأوقع بكريم من منصبه، لأني أنا من يستحقه ليس هو. لقد أفنيت سنوات طوال من عمري في خدمة الشركة، وكنت انتظر مكافأة منها نظير جهدي، لكنها عوض أن تكافأني كافأت هذا العربي الذي أتانا من بلد متخلف ليصبح رئيسا علي.. لا وألف لا"، ثم أردف: " في أحد الأيام، ترك كريم جهاز حاسوبه شغالا، وانصرف، فما كان مني إلا أن انتظرت حتى ذهب الجميع، وانتهزت الفرصة لأقوم من جهازه بسرقة حساب بعض عملاء الشركة وبيعها لمنافسيها".
كان كريم يسمع هذا الكلام، ودموع الفرح تخرج من مقلتيه، ثم قال:
"وماذا بعد؟؟"
أجابه المحامي قائلا:
"سيتم عرضه على المحكمة، وستعاد محاكمتك جراء هاته التطورات"
"الحمد لله، الحمد لله" قالها كريم، وهو يسجد سجدة شكر لله، ثم صافح محاميه وأحمد بحرارة، وكذلك مارية.
مرّ أسبوع على هذا الخبر السار، وفي صبيحة يوم الاثنين، ارتدى كريم بذلة رسمية، وتوجه مع محاميه صوب المحكمة لإعادة المحاكمة، هناك التقى بالموظف المتهم الذي طأطأ رأسه فور رؤيته له خجلا منه، ثم جلس في المكان المخصص له، وبدأت المحاكمة. رافع محامي دفاع كريم، وأدلى بالواقع الجديدة في القضية التي مدها لوكيل النيابة والقاضي، وعند نهاية المرافعة، طلب القاضي من المحلفين رأيهم، فكان الإجماع بالبراءة لكريم، وسجن الموظف.
هنا، صرخت مارية وكبّر أحمد، وقفز كريم من مكانه فرحا، وصافح محاميه، إلا أن هذا الأخير طلب منه التريث قبل الإعلان عن فرحته، فمازالت القضية قائمة.
جلس كريم في مقعده، وأخذ ينظر لمحاميه نظرة إعجاب وامتنان، هذا الأخير قال للقاضي:
"سيدي القاضي، بعد أن تبين لسيادتكم براءة موكلي، فإني أطالب بجبر الضرر الذي لحق به المادي والمعنوي منه، خصوصا وأنه قضى داخل السجن ما يقارب السنتين ظلما وعدوانا".
بعد التشاور، قال القاضي:
"حكمت المحكمة بتعويض السيد كريم بمبلغ قيمته 30 مليون أورو، ونشر اعتذار رسمي في كافة الجرائد الرسمية للدولة".
فغر كريم فاهه عند سماعه لمبلغ التعويض، فلم يدر ما يقول سوى:
"الحمد لله، الحمد لله".
في اليوم الموالي، خرج كريم من السجن، وتوجه مباشرة نحو مقر عمله، هناك استقبله كافة الموظفين بالتصفيق بعدما كانوا يتحدثون من وراءه ويتهمونه بالخيانة.
توجه مباشرة نحو مكتب المدير، الذي فور رؤيته، وقف وتوجه نحوه وهو يقول:
"الحمد لله على سلامتك وعودتك إلينا، وأرجو أن لا تحمل في قلبك ضغينة علينا، فنحن لم نكن نعلم بالحقيقة إلا مؤخرا".
أجابه كريم بأدب:
"سيدي، لست ناكرا للجميل، فأنا أدين لكم بالكثير، لكن يؤسفني أن أخبركم بأني لن أعود لشركتكم، فبلدي أولى بي".
تأسف المدير لكلام كريم، إلا أنه تمنى له الخير والسعادة أينما حلّ.
خرج كريم من مكتب المدير، وتوجه نحو مكتب مارية، التي أخبرها بقراره، فتأسفت هي أيضا، وألحت عليه بالبقاء إلا أنه كان مصرا على قراره. احتضنها لأول مرة بلطف، ثم تركها غارقة في دموعها.
استقل الطائرة، وعاد إلى المغرب، هناك، توجه مباشرة نحو منزل والديه وهو يحمل بعض الهدايا له.
طرق الباب، ففتحت له والدته، وعندما رأته صرخت:
"ولدي.. ولدي" ثم احتضنت بقوة، وذهبت راكضة نحو غرفتها لتجر زوجها وهي تقول له:
"يا حاج.. يا حاج.. لن تصدق من الذي أتى.."
رفع الحاج أحمد بصره، فرأى كريم في كامل صحته وعنفوانه، انحدرت منه دمعة وضمه إليه بدوره وهو يقول:
"ولدي، الحمد لله على سلامتك"
قبّل كريم والده ووالدته، وحكى لهما كل ما جرى خلال السنين الأربع التي قضاها في الغربة. حمدا الله على سلامته وعلى كرم الله عليه، ثم طلب منهما الاستئذان للذهاب عند حبيبته سعاد. ما إن سمعت الحاجة "خديجة" اسم سعاد، حتى تغيرت نبرة صوتها، وشابها بعض الحزن وهي تقول لابنها:
"كريم، ولدي، أعلم أنك تحب سعاد كثيرا، لكن أطلب منك نسيانها"
اندهش كريم من كلام والدته، وقال:
"أنساها، كيف ذلك؟؟ ألا تعلمين مدى تعلقي بها. لقد وعدتها بالزواج، وها أنا والحمد لله أصبح ثريا جدا، وسأفي بوعدي".
"عزيزي، لقد تزوجت سعاد منذ عام مضى بعد أن انتظرتك طويلا"
"تزوجت، كيف ذلك؟"
حكت له والدته كل شيء، إلا أنه لم يصدق كلامها، فتوجه نحو منزلها، وسأل عنها والدتها التي تفاجأت بقدومه، فأخبرته بالحقيقة، ومنحته عنوانها، وطلبت منه أن لا يقترب منها إن كان يعزها حتى لا يتسبب لها بمشاكل مع زوجها لؤي. وعدها بذلك رغم مرارة الخبر الذي وقع عليه.
رآها كريم من بعيد، فخفق قلبه لها، إلا أنه تذكر وعده لوالدتها، فنفض فكرة مقابلتها وجها لوجه. رأها تجر عربة بها طفل صغير، فعلم أنه ابنها. تبعها بسيارته الفخمة خلسة إلى أن وصل إلى مستشفى الأطفال. وجدها تدخل عند الطبيب المتخصص بعلاج تشوهات القلب، فاعتراه قلق أن تكون مصابة بمرض القلب أو طفلها، وانتظر حتى خرجت، فأدار ظهره إلى أن غادرت الرواق، ثم دخل عند الطبيب. قدم له نفسه على أنه أحد أقارب سعاد، وطلب منه أن يخبره بسبب زيارتها له. أجابه الطبيب قائلا:
"تزورني سعاد بين الفينة والأخرى لتخبرني هل هناك أخبار جديدة عن متبرع بالقلب"
"متبرع بالقلب؟؟!" قالها كريم بدهشة.
"نعم متبرع بالقلب، طفلها مصاب بثقب في القلب وهناك حلين لعلاجه، إما عملية جراحية، وهي مكلفة جدا، وإما انتظار متبرع بالقلب لنزرعه لطفلها".
سأله كريم بلهفة:
"وكم تبلغ تكلفة العملية؟"
أجابه الطبيب:
"حوالي عشرين مليون سنتيم".
طلب منه كريم إجراء العملية فورا، وهو مستعد لسداد المبلغ بأكمله دفعة واحدة، لكن بشرط أن لا يخبر سعاد بما جرى بينهما، ومدّه بشيك به المبلغ كاملا.
شكره الطبيب على كرمه، وهاتف زوج لؤي في تلك اللحظة.
خرج كريم وهو يشعر بسعادة غامرة، فها قد ساعد حبيبته الذي طالما تمنى سعادتها سواء معه أم مع غيره. وقد تحققت أمنيته.
دخل لؤي بسرعة لمنزله، وضم زوجته سعاد بسعادة وقبل ابنه كريم بشدة، وقال لهما:
"لقد اتصل بي الطبيب وأخبرني بأنه مستعد للقيام بعملية جراحية من أجل ابننا"
"كيف ذلك؟" قالتها سعاد وهي تضيف: "العملية تكلف عشرون مليونا، فأين لنا بهذا المبلغ؟؟"
أجابها لؤي وهو يبتسم:
"هناك فاعل خير، قام بدفع المبلغ كاملا"
"الحمد لله، الحمد لله" قالتها سعاد وهي تضم ابنها، وتقول له:
"حبيبي الغالي، ستجري عملية تشفيك تماما، فهل أنت سعيد؟"
ابتسم الصغير كريم، ابتسامة بريئة، دون أن يفهم شيئا من والدته، فمازال عمره صغيرا.
أجريت العملية بنجاح، وظل الصغير كريم في المسـتشفى أسبوعا بأكمله من أجل المراقبة، وبعد التأكد من خلو العملية من تبعات وآثار جانبية، أذن له بالخروج. توجهت سعاد وهي تحمل صغيرها نحو المكان المخصص لدفع مستخلصات العمليات الجراحية، وطلبت من الممرضة المكلفة بأن تخبرها عن اسم هذا المحسن الذي أنقذ طفلها. رفضت الممرضة إعطائها اسمه، لكن بإلحاح من سعاد، مدتها بعنوانه فقط وقالت:
"لم يمنحنا اسمه، فقط عنوانه، وشيكا باسم البنك الذي يتعامل معه".
سجلت سعاد عنوان فاعل الخير، وتوجهت سعاد وهي تحمل الصغير كريم بعد أن اتصلت بزوجها لؤي، وطلبت منه مرافقتها لشكر هذا المحسن.
توقفا نحو فيلا ضخمة بها حديقة مليئة بالأزهار المختلفة الألوان، دق جرس الباب، فخرجت إليها خادمة تلبس لباسا أنيقا وهي تقول:
"مرحبا.. هل لي بمعرفة سبب مجيئكما؟"
تلعثمت سعاد وهي تقول:
"نريد أن نقابل سيدك، فهل نستطيع؟؟"
"وهل لديكما موعد؟؟"
"لا .. لكن نريد أن نقابله لأمر هام"
طلبت منهما الانتظار في الخارج، وبعد برهة، دعتهما للدخول، وتوجهت بهما نحو صالة الضيوف.
جلست سعاد ولؤي، والصغير كريم، على أرائك وثيرة، وأخذ الصغير يلهو بأصابعه، إلى أن دخل كريم إليهما.
توقف الزمن عندما التقت نظرات كريم وسعاد، فانتفضت من مكانها وهي تقول:
"غير ممكن.. لا.. مستحيل".
نظر إليها لؤي باستغراب، وأخذ يبادل نظره بينها وبين هذا الرجل الذي دخل عليهما، وهو يتساءل في نفسه عن سبب ردة فعل زوجته تجاه هذا الوافد.
انهمرت دموع حارة من عيني سعاد، وكذلك فعل كريم، إلا أنه تمالك نفسه، وتوجه نحو زوجها وهو يقول:
"مرحبا بكما في منزلي متواضع"، صافحه بلطف، وعندما مدّ يده ليصافح سعاد، ارتمت نحوه متناسية أن زوجها بقربها، ثم قالت له:
"لماذا عدت..؟؟ لماذا عدت؟؟" ، ثم أجهشت بالبكاء من جديد.
ظل كريم صامتا، فقال لؤي:
"بالله عليكما، ألن تخبراني ما الذي يحصل هنا؟؟"
اعتذر منه كريم، وقصّ عليه حكايتهما، وطلب منه أن يقبل اعتذاره عن تدخله في حياته الجديدة، إلا أن لؤي لطيب أخلاقه، وتفهمه، قال له:
"لا عليك، أنا الذي يطلب منك الصفح، فما فعلته من أجل ابننا الوحيد لأكثر من أن انظر إلى مثل هاته الأمور، فشكرا لك".
ثم أردف:
"الآن عرفت لماذا أسمت سعاد ابننا كريم، لأنه لم تسـتطع نسيانك".
سعد كريم بتسمية حبيبته سعاد لابنها باسمه، ثم طلب منهما بتكرار زيارتهما له، وطلب من زوجها بعدما أن علم أنه كان يعمل في شركة والدته أن يعمل لديه كمسـتشار في نفس تخصص شركة أسرته، فوافق على الفور.
مر شهر على ذلك اللقاء الحميمي، وفي أحد الأيام، دق جرس الباب، ففتحت الخادمة كالمعتاد، وبعد برهة طلبت من الوافد الجديد الدخول، وصحبته لقاعة الضيافة.
تساءل كريم عن ماهية الزائر، وعندما دخل، وجد سيدة محجبة ومطأطاة رأسها، وعندما رفعته، صدم كريم بما رأى.. فرك عينيه غير مصدق، وهو يقول في نفسه:
"أيعقل أن تكون..."
ابتسمت السيدة في وجه كريم وهي تقول:
"ألم تعرفني.. أنا مارية"
"كيف يعقل أن..."
قاطعته مارية وهي تبتسم في حياء:
"لقد أسلمت، بعد مطالعتي للدين الذي أحببتني إليه بأخلاقك، والحمد لله أن هداني للإسلام، ولقد أتيت من إيطاليا بعد أن لقنت الشهادتين في المسجد المركزي بروما، خصيصا إليك لأبشرك بهذا الخبر.
سعد كريم جدا لما سمعه، وخفق قلبه بشدة، فها هي مارية التي كانت أنيسه ورفيقه في الغربة وفي السجن قد أسلمت.. حكت له تفاصيل إسلامها.. وكان يستمع إليها وفي كل مرة يقول: "الحمد لله .. الحمد لله".
مرّ شهران على زيارة مارية لمنزل كريم، وعودتها إلى إيطاليا، حتى لحق بها كريم، وطلب منها الزواج بعد أن أدرك أنه يحبها منذ زمن طويل إلا أنه كان يكابر ويخدع نفسه بأنه مازال يحب سعاد.
فرحت مارية بطلب كريم يدها، فوافقت على الفور، فكانت تلك هي أمنيتها الغالية، وقد حققها لها الله سبحانه، فكانت أحسن مكافأة وهدية بعد إسلامها.

تمت
20/07/2012