الحرية لعلي أنوزلا

الأحد، 10 يونيو، 2012

خلف الأسوار -ج8



لمن فاتته الأجزاء السابقة، إليكم روابطها:


************
"باسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد،
حبيبتي سعاد،
لا تظني أني نسيتك، فأنت في القلب وستظلين كذلك، لكن انهماكي في عملي الجديد، جعلني أنشغل عن الكتابة لك.. أعلم أنك تتحرقين شوقا لمعرفة جديدي، وأنا أيضا أتحرق شوقا لرؤيتك وليس لمعرفة أخبارك فقط.
 الحمد لله، حصلت على وظيفة محترمة في شركة راقية، ودخلي مرتفع شيئا ما بالمقارنة مع ما يتقاضاه من هم مثلي بالمغرب، سأحاول ترشيد نفقاتي حتى أكوّن نفسي جيدا، آنذاك، سأعود للمغرب ونتزوج كي أصطحبك معي إلى هنا، وتنعمي كما أنعم أنا الآن، ولو أن هذا النعيم بدونك لا ذوق له.
غاليتي،
سأنتظر أخبارك بكل لهفة وشوق، فلا تتأخري علي في الرد.
المحب: كريم"
عند انتهائها من القراءة، أخذت سعاد تقبّل الرسالة بلهفة، ثم حملتها وضمتها إلى صدرها وهي تدور في الغرفة فرحة مسرورة كطفل صغير سُرّ باقتناء لعبة جديدة، ثم توجهت نحو مكتبها الصغير، وأخرجت من الدرج ورقة وقلما، وبدأت تكتب ردا لحبيبها، فيه:
"باسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد،
حبيبي ومهجة قلبي،
لا تدري مدى سعادتي وأنا أقرأ رسالتك. أحسست فيها شوقا ولهفة ملتاع متيم، أنا كذلك، قلبي لا ينبض إلا باسمك في كل وقت وحين، وصورك لا تغيب عن ناظري، حتى أني أزور الأماكن التي كنا نرتادها سوية كل يوم لأرى طيف هناك، وأشم عطرك.
أخوف ما أخاف عليه، أن تسلبك إحداهن هناك هذا القلب الذي تُيِّمتُ به، فتنساني.
أستودعك الله، ولا تتأخر علي في موافاتي بكل جديدك.
المحبة الوفية: سعاد"
ثم وضعت فيها صورة شمسية لها، واشترت ظرفا وأرسلته على عنوان رسالة كريم بالبريد المضمون.
استفاق كريم مبكرا كعادته، وتصفح جرائد اليوم، ثم أخذ حماما سريعا وأكل فطوره، وذهب لعمله صحبة زملائه الذي يقطنون في نفس العمارة إلى العمل سوية.
دخل إلى مكتبه وسلّم على مارية ورفائيل، ثم جلس على كرسيه، وأخذ يتابع أنظم الحماية في الشركة، وفجأة، أتاه إنذار من جهازه لمحاولة اختراق، كانت هاته أول تجربة له مباشرة مع هذا الأمر، فأخذ يضغط بسرعة على لوحة أزرار حاسبه، ويكتب رموزا وأرقاما ليعرف مصدر هاته المحاولة، وأخذ العرق يتصبب منه، فلاحظت ذلك مارية، وقالت له، ونبرة الجزع بادية على صوتها:
"ما بك يا كريم، أراك تتصبّب عرقا!؟".
لم يجبها كريم، وتابع ضغط الأزرار ومراقبة الرسائل التي تأتيه من جهازه، ثم أخذ يتحدث بصوت مسموع: "لن تنال مني يا هذا.. سأريك من يكون كريم".
نهش الفضول فؤاد مارية ورفائيل، فقاما من مقعديهما، وتوجها نحو كريم، فرأيا كتابات وأرقاما من شاشة حاسوبه لم يفهما شيئا منها، وكريم يمسح بين الحين والآخر عرق جبينه بمنديله، ثم فجأة صاح والفرحة تغمره:
"يااااااااااااه، لقد فعلتها..فعلتها".
فقالت مارية: "ماذا فعلت.. قل لنا يا كريم".
"لقد أبطلت أوّل محاولة تسلّل على شركتنا".
"تسلل؟؟".
"نعم، تسلّل، كان سيردي شركتنا الهاوية".
سألته مارية ورفائيل في نفس الوقت: "كيف ذلك؟".
فأجاب كريم وهو يلهث من شدة الفرح والانفعال لانتصاره الأول:
"تخيلوا معي لو أخذ شخص ما معلومات عن أسهم عملائنا في البورصة، ما الذي يمكن أن يفعله بها؟".
قالا زميلاه بصوت واحد: "ستكون كارثة".
"نعم، ستكون كارثة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وسنتكبد خسارة بالملايين لتعويض هؤلاء العملاء، لكن الحمد لله، استطعت أن أبطل هاته المحاولة الجبانة".
فقالت مارية:
"حمدا للرب أنك معنا، ولست ضدنا"، ثم ضحكت، فضحك رفائيل وكريم معها.
تسرّب خبر إبطال كريم لمحاولة القرصنة إلى كافة موظفي الشركة، فكان كلما مرّ على رواق، إلا وحيّاه الموظفون، حتى وصل الخبر إلى المدير، فأرسل في طلبه.
دخل كريم، وهو ينظر إلى الأرض مهابة من المدير، لكن هذا الأخير قام من مكانه وتوجه نحوه وحيّاه بحرارة وهو يقول:
" أحسنت صنعا يا كريم بإبطالك لتلك المحاولة الجبانة للتسلل لقاعدة بياناتنا.."
أجابه كريم متلعثما من شدة الارتباك:
"هذا واجبي سيدي.. وطاقتي سأسخّرها كلها من أجل الحرص على هاته الشركة التي منحتني أكثر ما أريد".
ابتسم المدير وربّت على كتفه وقال:
"أطلب ما شئت عزيزي كريم، فما قمت به اليوم، يستحق المكافأة".
"لا أطلب سوى رضاك عني سيدي".
"لا عليك، خذ وقتا للتفكير في مكافئتك، وإن لم تستطع، سندرس أمرك في مجلس الإدارة لنقرر، فما قمت به اليوم لشيء خارق لم نعتد عليه من قبل في شركتنا".
ثم صافحه مرة أخرى بحرارة، وطلب منه التوجه إلى مكتبه لمواصلة العمل.
دخل كريم إلى مكتبه، فقامت مارية وهي تقول له:
"ماذا قال لك سيادة المدير العام؟؟ أخبرنا، فلا نكاد نصبر عن معرفة الحوار الذي جرى بينكما".
أخبرها كريم بكل ما جرى في مكتب المدير العام، وهو لا يخفي فرحه بذلك الاستقبال الرائع الذي حضي به من قبله، ثم قال له رفائيل:
"عزيزي كريم، هاته أول محاولة لك، تفوقت فيها على نفسك وعلى جميع من في الشركة، لأنك جنّبت شركتنا خسارة الملايين.. لكن، احذر، فلن تكون هاته هي المحاولة الأولى للاختراق، ستتلوها محاولات أخرى".
أجابه كريم، وقد تغيرت نبرة صوته، وظهر فيها الجدية:
"أعلم ذلك رفائيل، سأكون لكل مخترق بالمرصاد، فأنا كريم وأجرك على الله"، ثم غمزه بطرف عينه اليسرى، وتوجه نحو مكتبه لإكمال عمله.
مرّت سنة على تواجد كريم بالشركة، أحبط فيها عدد هائل من محاولات الاختراق لقاعدة بيانات عملاء الشركة، مما جعل المدير العام في يوم مشمس من بداية السنة الجديدة أن يطلبه لحضور اجتماع مجلس الإدارة، لأول مرة منذ توليه العمل.
أعاد كريم ترتيب هندامه، وقال لمارية: "كيف أبدو؟"
نظرت إليه مارية وهي تقول: "اممممم، دعني أرى، ربطة العنق هاته لا تلائم قميصك الأزرق، لكن لا عليك، الحل عندي"، ثم خرجت مسرعة نحو المكتب المجاور، وعادت بربطة عنق حمراء، ثم قالت وهي تحيط بيديها عنق كريم وتلبسه تلك الربطة:
"الآن، أنت جذاب بهاته الربطة"، ثم أطلقت ضحكة طفولية كعادتها.
شكرها كريم، على مساعدتها له، ثم توجه نحو مكتب المدير، وقف بالباب، ثم طرقه، وانتظر حتى سمع صوت المدير العام من الداخل يقول:
"تفضل"
و
يتبع..