الحرية لعلي أنوزلا

الأحد، 24 يونيو 2012

خلف الأسوار -ج10



لمن فاتته الأجزاء السابقة، إليكم روابطها:



**********

دخل كريم إلى قاعة كبيرة بها عدد من أجهزة الحاسوب المتطورة، وعلى كل جهاز موظف منهمك في عمله. توجه نحو رجل يدعى مورينو كان مكتبه في منطقة أعلى بالغرفة بحكم منصبه، وعندما وصل إليه، مدّه بورقة التوصية التي بها منصبه الجديد.. نظر إليها مورينو بامتعاض لم يُبدِه لكن كريم أحسّ به، ثم بحركة آلية أعاد له الورقة، وقال له:
"هذا مكتبك الجديد"، ولم يستطع إخفاء حنقه وهو يضيف: "الذي كان مكتبي".
شعر كريم بالحرج وتوتر الموقف، ثم قال:
"لا عليك سيدي، سنكون أصدقاء من الآن فصاعدا، ولا وجود لكلمة رئيس ومرؤوس في قاموسي".
تفحّصه مورينو بعينيه ثم أدار ظهره وتوجه نحو مكتب شاغر حيث مكانه الجديد لأنه لم يعد المشرف على المجموعة، بل أصبح كريم هو صاحب ذاك المنصب بعد إنجازه العظيم.
جلس كريم على كرسي وثير، ثم توجه إليه كافة الموظفين المتواجدين داخل القاعة يهنئونه بالمنصب الجديد. شكرهم جميعا على تهنئتهم، ووعدهم بالعمل كفريق واحد من أجل الحفاظ على سير الشركة وأمنها الالكتروني.
أقبل رمضان على كريم وهو في إيطاليا، افتقد طعام والدته وتلك الأجواء الروحانية التي كان يعيشها ببلده.. افتقد صلاة التراويح في المسجد، والإفطار الجماعي، وزيارة الأهل والأحباب. هنا، في بلاد الغربة، لا وجود لتلك العلاقات الأسرية، حتى المسجد يبعد عليه بكلوميترات، تضطره في الغالب للصلاة في البيت مع جاره المسلم.
توجه نحو الشركة كالمعتاد وأخذ يزاول عمله، وبين الفينة والأخرى كان ينظر إلى ساعته يترقب آذان المغرب الذي لم يكن ليسمعه من موقعه، بل من خلال معرفة الوقت فحسب. بقي على آذان المغرب خمس دقائق، توجه فيها كريم نحو ثلاجة بالقاعة وأخذ منها زجاجة مياه معدنية، ووضعها على مكتبه، ثم أخرج سبع ثمرات من حقيبته، وأخذ يعد الدقائق حتى حلّت اللحظة المرتقبة قال فيها : "باسم الله، ذَهَبَ الظَّمأُ، وابْتَلَّتِ العُرُوقُ، وَثَبَتَ الأجْرُ إِنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى‏"، ثم شرب الماء وما كان بحوزته من تمر. بينما هو على هذا الحال، إذ بمارية تدخل للقاعة وتتوجه نحوه وهي تحمل في يدها اليمنى كيسا بلاستيكيا وضعته على سطح مكتبه وهي تبتسم وتقول له: "إفطارا شهيا، لقد أعددت لك فطورك، أرجو أن ينال إعجابك".
تفاجأ كريم بهذا الفعل الذي لم يكن يتوقعه من مارية، لكن اعتراه قلق من أن يكون ما أتت به من طعام به شبهة حرام، فقالت له مارية: "تفضل تناول ما صنعته يداي، أم أنك لا تريد تذوق طعامي".
أجابها وهو محرج: "لا، ليس كذلك، بل..."
"بل ماذا؟؟ّ"
"أنت تعرفين أني مسلم، وتعلمين أن الطعام الذي يتناوله المسلمون يجب أن يكون حلالا".
"نعم أعلم ذلك، لذلك انتبهت جيدا وأنا أعد هذا الإفطار، فلا وجود لخمر في هذا الحساء، وهذا اللحم اشتريته من مجزرة إسلامية".
عند سماعه لما قالته، اطمئن قلب كريم، وشكرها على صنيعها وأخذ يتناول ما قدمته له وهو يبدي إعجابه بطبخها.
سُرّت مارية كثيرا بمدح كريم لطعامها، فأخذت على عاتقها أن تقدم له طعام الإفطار طيلة شهر رمضان، فكان بداية تطور العلاقة بينها وبينه، فلم يعد يحس بالحرج وهو يكلمها، وأصبحت تتردد على بيته ليستقلا سوية سيارة الأجرة من أجل التوجه نحو مقر الشركة معا.
وفي الضفة الأخرى، كانت سعاد دائمة التفكير في حبيبها الذي انقطعت أخباره منذ ما يقارب الشهرين. وعلى مائدة الإفطار، وبينما كانت تشرب الحساء، خاطبتها والدتها قائلة:
"ألم يتصل كريم بك، أو يرسل لك برسالة؟؟"
أجابتها سعاد بحزن:
"لا، لم يتصل، وقد مرّ شهران على آخر رسالة بعثها إلي".
"ألا تظنين أن انقطاعه هذا فيه شبهة؟؟"
نظرت سعاد إلى والدتها وهي تخفي غضبا قد اعتراها عند سماعها لتساؤلها، ثم قالت:
"ابعدي عنك تلك الهلوسات، فكريم يحبني ولن ينظر لأي فتاة أخرى سواي، لقد وعدني عندما يستقر في عمله سيتقدم لخطبتي والزواج بي".
أجابتها أمها بتهكم قائلة:
"أولم يستقر حتى الآن؟! لقد مرّ عام على سفره!".
قامت سعاد من على المائدة، ثم توجهت نحو غرفتها وأغلقت الباب خلفها.. ارتمت على سريرها وأخذت تبكي، فقد وقع كلام أمها عليها كسهام مسمومة زرعت الشك في قلبها.
مرّت ثلاث سنوات على تواجد كريم بإيطاليا، انشغل بعمله لدرجة أنه لم يعد يراسل حبيبته إلا نادرا رغم أن سعاد كانت مواظبة على مراسلته، وكانت تشكو إليه تردد الخُطّاب على منزلهم لخطبتها، وضغط والدتها عليها كي توافق على اختيار شاب آخر غير كريم، حيث كانت تردد على مسامعها دائما: "البعيد عن العين بعيد عن القلب، وكريم عثر على فتاة أخرى غيرك".
لم تستسلم سعاد لضغوطات والدتها، وكانت ترفض كل من جاء لخطبتها بلباقة.. وكما يقال "دوام الحال من المحال"، سقط والدها طريح الفراش، فانقطع عن عمله الذي كان يكفيهم شرّ التسول، ومع ازدياد ضغوطات الحياة المعيشية لم تجد سعاد بدا سوى البحث عن عمل كي تعول والديها.. وجدته بعد مشقة في أحد محلات الحلاقة النسائية.. لم يكن الدخل مرتفعا، لكن كان على الأقل يكفيها وعائلتها السؤال، وشراء الدواء لوالدها.
وفي أحد الأيام، دق أحدهم الباب، ففتحت سعاد وهي تنظر للطارق بدهشة، وتقول:
"سيدة سناء، ما الذي أتى بك لمنزلنا المتواضع".
أجابتها السيدة سناء، التي كانت ترتدي معطفا أسودا، وقبعة مزركشة بريش الطاووس، قائلة:
"ألا تدعينني للدخول".
"آه، عفوا، يا لقلة أدبي، تفضلي سيدتي.. تفضلي".
دخلت السيدة سناء للمنزل وهي تتفحصه بنظرها بعناية، ثم قالت لها:
"منزلكم جميل، يذكرني بطفولتي".
"شكرا لك سيدتي، هذا لطف منك".
تم دعتها للتوجه نحو قاعة الضيوف، وتوجهت هي نحو المطبخ لتعد الشاي.. بعد برهة، قدمت سعاد لضيفتها الشاي وقطعة حلوى، وتساؤلات كثيرة تدور في عقلها. أحسّت السيدة سناء بما يعتري سعاد من تساؤلات وفضول فقالت لها:
"هل تعيشين لوحدك في هذا البيت؟"
أجابتها سعاد قائلة:
"لا، سيدتي، لست وحيدة في هذا البيت، بل أعيش مع والدَيّ".
"جميل، وأين هما؟؟"
"والدي طريح الفراش من مرض ألم به، أما والدتي فقد خرجت لشراء بعض الأغراض، وستعود قريبا".
لم تكمل سعاد كلامها حتى دخلت والدتها، فتوجهت نحوها وهي تقول لها بصوت منخفض:
"أمي، لقد أتتنا ضيفة هي زبونة في المحل الذي أعمل به".
توجهت والدة سعاد نحو الضيفة، ومدت يدها لتصافحها وهي تقول مبتسمة:
"مرحبا بك سيدتي في منزلنا المتواضع".
قالت لها السيدة سناء:
"منزلكم جميل جدا وأصيل، وأعتذر إن أتيتكم دون سابق ميعاد".
"لا عليك سيدتي، أنت مرحب بك في أي وقت".
"بارك الله فيك، أظنك تتسائلين عن سبب زيارتي لكم".
"إن لم يكن هناك عدم ذوق، نعم، فليس من العادة في مثل هذا الوقت أن يأتينا ضيوف".
"خيرا إن شاء الله، كنت أنتظرك أنت بالذات للتحدث معك في أمر مهم".
اعترى الفضول والقلق، في نفس الوقت، قلب والدة سعاد وهي تقول:
"خير، اللهم اجعله خير".
فأجابتها السيدة سناء:
"خيرا إن شاء الله" قالتها وهي تنظر لسعاد بابتسامة ذات مغزى..
و
يتبع..