الحرية لعلي أنوزلا

الأحد، 1 يوليو، 2012

خلف الأسوار- ج11


لمن فاتته الأجزاء السابقة، إليكم روابطها:


************************


أحسّت سعاد بحرج من طريقة نظر السيدة سناء لها، فتوجهت مسرعة نحو المطبخ لتعد مشروبا وما يليق بهاته الضيفة الغير متوقعة.
حملت صينية بها شاي وبعض الحلويات المنزلية، وقدمتها للسيدة سناء وقد احمرّت وجنتاها من الخجل والارتباك لتلك النظرات والابتسامات التي كانت تعلو محيا الضيفة كلما التقت عيونهما.
شكرتها السيدة سناء على حسن ضيافتها، وطلبت منها الجلوس معها ووالدتها، إلا أن سعاد اعتذرت بأدب وذهبت إلى غرفتها، وذهنها يضرب أخماسا في أسداس عن سبب زيارة زبونة ميسورة الحال لعائلتها الفقيرة. لم تمض دقائق على تساؤلاتها حتى سمعت والدتها تناديها:
"سعاد.. سعاد، تعالي يا حلوتي"
تقدمت سعاد بخطوات خجولة نحو والدتها، وقلبها ينبض بشدة مخافة أن تسمعها خبرا غير سار، فكان حدسها في محله عندما قالت لها والدتها:
"بنيتي، لقد طلبت السيدة سناء يدك لابنها لؤي، فما قولك؟"
لم تحر سعاد جوابا، وانهمرت دموع حارة من وجنتيها فتركتهما وذهبت راكضة نحو غرفتها.. فارتمت على سريرها وهي تجهش بالبكاء وتقول:
"لماذا يا أمي.. لماذا؟؟"، ثم خاطبت حبيبها البعيد بعقلها الباطن:
"أين أنت يا كريم.. أخرجني من هاته الحياة البئيسة التي أعيشها، فوجودي متعلق بك أنت وحدك.. أين أنت؟؟"
وفي الغرفة المجاورة، ارتبكت والدة سعاد من تصرف ابنتها الغير متوقع، فنظرت للسيدة سناء وهي تحاول زرع ابتسامة على ثغرها وقالت:
"أعتذر سيدة سناء على تصرف ابنتي، فلست أدري ما بها"
"لا عليك سيدتي، أظن وقع الخبر كان مفاجأ عليها. دعيها على راحتها، وسننتظر جوابها بعد أن تأخذ وقتا للتفكير".
"إن شاء الله سيدتي، سنسمعكم أخبارا سارة"
"إن شاء الله"
على هاته الكلمات، غادرت السيدة سناء منزل سعاد وعائلتها.
وفي الطرف الآخر من الكرة الأرضية، وبالضبط في مدينة روما الإيطالية، كان كريم يتقدم في عمله بسرعة زرعت الحقد والغيرة في قلب بعض أقرانه، خصوصا القدامى منهم. وفي أحد الأيام، وبينما كان يهم بمغادرة مكتبه، نسي جهاز حاسوبه شغالا وهو الذي كان يطفئه دائما قبل خروجه.. لم يكن يتوقع أن هذا السهو سيسبّب له كارثة.
استيقظ كريم على دقات عنيفة بباب منزله، فتوجه راكضا نحوه وهو يقول: "من الطارق؟!"
أجابه أحدهم بصوت أجش وعال:
"افتح الباب"
ازداد توتر كريم وهو يعيد السؤال:
"من الطارق؟؟!!"
أجابه نفس الصوت قائلا:
"افتح الباب، نحن من الشرطة"
"الشرطة؟!"، قالها كريم باستغراب واندهاش وهو يفتح الباب، ليجد أمامه شخص طويل القائمة، نحيل الوجه، أسود الشعر، حليق الذقن، يلبس زيا مدنيا وبجواره شابين في مقتبل العمر يلبسان زي الشرطة الرسمي.
لم ينتظر الشرطي بزي مدني من كريم الإذن بالدخول، بل دفعه بفظاظة ودخل البيت وهو يشير إلى مساعديه بتفتيش غرف منزل كريم، الذي مازالت الدهشة تسيطر على كيانه، استفاق منها عندما دخل جاره في الإقامة "أحمد" إلى منزله، وهو يقول:
"كريم، ما الذي يجري هنا؟"
"لست أدري، استفقت على طرقات رجال الشرطة، وحتى الآن لا علم لي بما يحصل"
نظر إليهما رجل الأمن المسؤول وقال لكريم:
"لقد أتينا إلى هنا بأمر من النيابة العامة لنقوم بواجبنا".
ازدادت دهشة كريم عند سماعه لهذا الخبر، وقال:
"بأمر من النيابة العامة؟! وهل أنا متهم بشيء؟!"
"لا يمكنني البوح.. بعد تفتيش منزلك ستأتي معنا إلى مركز التحقيق"
"مركز التحقيق؟! مالي ومال هذا المكان.. أنا مواطن شريف ونزيه، ولم أخرق القانون يوما".
"سنعرف ذلك عند التحقيق معك في المكان المناسب، هيا، اذهب لتلبس ثيابك، فسنغادر الآن".
ارتدى كريم ثيابه على عجل، وطلب من جاره أحمد أن يوكل محاميا ليدافع عنه. نزل الشرطيان يسبقهما المسؤول من على سيارة الشرطة، ثم خرج كريم وقد كادت الأرض تزيغ به لشدة التوتر والضغط. دعاه المسؤول الأمني لدخول مركز الشرطة، وتوجها نحو غرفة صغيرة كتب على بابها: "غرفة التحقيقات الجنائية". دخل كريم للغرفة، فوجد طاولة صغيرة تتوسطها، وكرسيان خشبيان، ومرآة كبيرة معلقة على الحائط. طلب المسؤول منه الجلوس على أحد الكرسيين ثم غادر ليدخل شخص آخر بزي مدني كذلك، إلا أنه في مقتبل العمر، بشارب قصير، عريض المنكبين، يظهر من ملامحه الصرامة والجدية. ابتسم في وجه كريم ابتسامة صفراء، ثم جلس على الكرسي المقابل لهذا الأخير، وأخذ ينظر إليه مباشرة محاولا قراءة أفكاره، ثم قال فجأة:
"سيد كريم، حدثنا قليلا عن مجال عملك"
استجمع كريم شجاعته وقال بصوت متلعثم:
"أعمل في شركة متخصصة في مجال البورصة، اسمها شركة "أنفورماتيكا للأسهم المالية"".
"منذ متى وأنت تعمل في هاته الشركة؟"
"منذ ما يقارب السنتين الآن، لماذا؟"
"أنا الذي يسأل هنا وليس أنت"، قالها المحقق وهو يضرب بقضبته اليمنى الطاولة، ثم قال:
"وما طبيعة عملك في الشركة؟"
أجابه كريم والعرق بدأ يتصبب من جبهته:
"متخصص في نظم الحماية المعلوماتية بالشركة".
"هل تتقاضى أجرا جيدا؟"
"الحمد لله، الشركة لم تبخل علي، وأجري محترم جدا"
"هممم.. ما تقول في التجسس ونقل الأسرار للغير؟"
"هي جريمة يعاقب عليها القانون، وليست من الأخلاق"
"وما قولك في من قام بهذا الفعل؟"
أجابه كريم دون تردد:
"عليه أن يتحمل تبعات تصرفه، ويعرض أمره للعدالة لتقول فيه كلمتها"
"إذن فأنت تعترف"
"أعترف على ماذا؟" قالها كريم بدهشة.
"تعترف بأنك تقوم بالتجسس ونقل أسرار شركتك لشركة منافسة".
انتفض كريم، وقام من مكانه وهو يقول بصوت مرتفع:
"كيف تجرأ على اتهامي، أنا إنسان شريف، وأعرف القانون"
أجابه المحقق ونبرة السخرية والتهكم ظاهرة على صوته:
"إنسان شريف وتعرف القانون، ههه، كل من يدخل لهاته الغرفة يردد نفس الكلام"
"أقسم لك، لم أخرق القانون في حياتي لا في بلدي الأصلي ولا هنا"
"سيد كريم، بدون لف أو دوران، اعترف أحسن لك"
لم يكمل المحقق كلامه، حتى دخل أحد رجال الشرطة الغرفة، وتوجه نحوه وهمهم له بشيء في أذنه لم يسمع كريم شيئا منه، سوى ما قال المحقق وهو ينظر للشرطي:
"لا بأس، دعه يدخل"
دخل رجل في الخمسينيات من العمر، قصير القامة، مكتنز البطن، يحمل حقيبة سوداء، ويلبس نظارة طبية، سلم على كريم والمحقق، ثم جلس بجوار كريم وهو يقول للمحقق:
"أنا محامي موكلي كريم، أرجو أن تتركنا لوحدنا بعض الوقت"
وافق المحقق على مضض، وقبل أن يتركهما في الغرفة وحدهما وجه كلامه للمحامي قائلا: "ربع ساعة لا أكثر" ثم غادر.
استدار المحامي نحو كريم وطلب منه الجلوس، ثم قال:
"اسمي سلفادور، أرسلني صديقك أحمد للدفاع عنك، أرجو أن تخبرني بكل شيء"
أجابه كريم والحيرة بادية عليه:
"شكرا لك سيدي على تكلفك مشقة المجيء إلى هنا"، ثم أخبره بكل ما جرى له هذا اليوم بالتفصيل الممل. وختم كلامه ب: "أظنهم ارتكبوا خطأ باعتقالي وسيفرجون عني بعد قليل".
أخذ المحامي يتفحص ملامح كريم بعين خبيرة، حتى تيقن من صدق كلام هذا الأخير، ثم قال له:
"سيد كريم، أرجو أن تلتزم الصمت من الآن فصاعدا، ودعني أنا أتكلم، اتفقنا".
"اتفقنا"، قالها كريم وهو ما يزال غير مصدقا لكل ما يحدث له.
انقضت المهلة التي منحهما المحقق، ثم دخل وتوجه نحو كرسيه وهو يوجه كلامه لكريم:
"هااااه، هل أنت مستعد للاعتراف الآن؟"
هنا قال المحامي سلفادور :
"هل لي بمعرفة التهمة التي توجهونها لموكلي؟"
"طبعا..طبعا.." قالها المحقق بسخرية وأضاف: "لا شيء كبير، تهمته أنه كان يسرب معلومات عن أسهم زبائن شركته لشركة منافسة.. فقط".
"هل لديكم دليل على ما تقولونه؟"
"نعم لدينا دليل مادي قوي على تورط السيد كريم بهاته الجريمة"
هنا، انتفض كريم مرة أخرى وهو يقول:
"أي دليل لديكم ضدي.. هذه مكيدة دبرت لي"
هنا قال له المحقق:
"هااااااه، ممن؟؟ هل لديك أعداء؟؟"
أجابه كريم وهو يحاول تهدئة نفسه:
"لا، ليس لدي أعداء، ولا أعرف من يمكنه أن يورطني في مثل هاته الجريمة النكراء".
ضغط المحامي على كتف كريم في إشارة منه لأن يهدأ وأن يجلس صامتا، فشعر بالحرج وهو يقول لسلفادور:
"آسف على انفعالي، لن أكرّره مرة أخرى، وسألتزم الصمت كما طلبت مني".
استغرق التحقيق ما يقارب الأربع ساعات، خرج منه كريم بكفالة وضمانة محل إقامته، على أن يتم عرضه على المحكمة بعد شهر.
انتشر خبر التحقيق مع رجال الأمن أرجاء الشركة، فتغيرت نظرة معظم الموظفين بها نحو كريم، إلا مارية، هي التي كانت تواسيه وتدافع عنه أمام باقي الزملاء، وتمدح في أخلاقه وشرفه وتفانيه في العمل.
مرّ الشهر بسرعة، وتوجه الكريم رفقة مارية وجاره في السكن أحمد ومحاميه نحو المحكمة. دخلوا جميعا لقاعة بها العديد من الكراسي، ومنصة مخصصة للقاضي. جلس كريم رفقة المحامي بالقرب من المنصة، بينما جلست مارية وأحمد في المكان المخصص للعموم.
"محكمة"، نطقها الحاجب بقوة، فوقف الجميع احتراما لقدوم القاضي ومستشاريه. بعد ذلك، جلسوا جميعا.
أخذ القاضي يتفحص ملف القضية، ثم أعطى الأمر لوكيل النيابة بالتحدث،
و
يتبع..