الحرية لعلي أنوزلا

السبت، 16 يونيو، 2012

خلف الأسوار -ج9


لمن فاتته الأجزاء السابقة، إليكم روابطها:



**********

دخل كريم في خطوات ثابتة، فتبادل مع جميع من كان في اجتماع مجلس الإدارة التحية، ثم جلس على كرسي خُصّص له. نظر إليه المدير العام وابتسامة عريضة تعلو محيّاه وقال:
"سيد كريم، بلغنا أنك أحبطت عملية تسلّل كادت تكبّدنا خسائر فادحة، وتشوّه سمعتنا".
أجابه كريم بصوت خجول:
"العفو سيدي المدير، هذا واجبي، ولم أكن لأسمح بهذا الاختراق الغير قانوني".
نظر إليه كافة أعضاء مجلس الإدارة بعيون راضية، ثم صفقوا له بحرارة على موقفه الذي اعتبروه بطولي، بعد ذلك، قام المدير العام وهو يحمل ورقة ومدّها لكريم وهو يقول:
"هذه الورقة بها قرار المجلس بترقيتك المسؤول الأول عن خلية البرمجة والحماية بشركتنا"، ثم أضاف وهو يمد إليه بورقة أخرى: " وهذا شيك به مكافأة عملك البطولي".
احتبست الكلمات في حلق كريم، ولم يدر بما يجيب سوى قوله لمديره:
"شكرا لكم سيدي.. شكرا لكم، وسأكون دوما عند حسن ظنكم بي".
بهاته الكلمات، صافح المدير العام، وصافحه جميع من كان حاضرا، ثم غادر صالة الاجتماعات متوجها نحو مكتبه.
لم يستطع انتظار المصعد، فتوجه نحو سلالم الطوابق التي تفصله عن مكتبه، وتخطاها برشاقة من شدة فرحه. وصل للمكتب وقبل دخوله، غيّر من تعابير وجهه، ورسم عليها بعض الحزن مشوب بقليل من الاضطراب، ثم دخل. رأته مارية ورفائيل، فقفزا من مكانيهما وقالا له بصوت واحد:
"هيه.. ماذا حصل مع السيد المدير العام؟؟"
نظر إليهما كريم نظرة حزن، ثم خفض عينيه إلى الأرض ولم يجب. خالج القلق زميلاه، فقالت سالوتي:
"هيا يا كريم.. نحن على أعصابنا.. أرجوك قل لنا ما الذي جرى بينك وبين السيد المدير العام؟؟"
هَمْهَم كريم، وهو ما يزال ينظر للأرض، بكلمات غير مفهومة، فقال رفائيل:
"ماذا قلت، لم نسمع شيئا".
آنذاك، رفع كريم عينيه وقال وابتسامة تعلو مُحيّاه:
"لقد تمّت ترقيتي"، وأراهما ورقة التوصية، وأضاف فرحا: "وهذا شيك به مكافأة نظير عملي"، وأراهما كذلك الشيك.
من شدة الفرح والسعادة، ارتمت مارية على كريم ولوت ذراعيها على خصره، وهي تقول: "مبارك عليك عزيزي كريم.. مبارك، فأنت تستحقها".
شعر كريم بالحرج، فهو لم يتوقع ردة فعل مارية، ثم أمسك بيديها، وأزاحهما عن خصره بلطف، وهو يقول:
"شكرا لك، عزيزتي مارية"، ثم نظر إلى رفائيل وقال له: "وشكرا لك أنت أيضا عزيزي رفائيل، فلولاكما لما قمت بهذا العمل. لقد وفّرتما لي جوا مريحا ساعدني للعمل بكامل طاقتي، فشكرا لكما مجددا".
صافحاه مرة أخرى، ثم عاد كل واحد منهم إلى عمله.
أخذت مارية تقلب أوراق أحد الملفات على مكتبها، ثم توقفت فجأة ونظرت إلى كريم وهي تقول: "كريم، بما أن الإدارة قامت بترقيتك، فأظنك ستنتقل إلى مكتب آخر أليس كذلك؟؟".
أجابها كريم قائلا: "نعم مارية، سيتم نقلي إلى مكتب جديد لأزاول به عملي".
تغيرت نبرة مارية، وهي تقول والحزن باد على صوتها:
"إذن ستتركنا، ولن نراك مجددا".
"لا يا حمقاء، سأنتقل إلى الطابق الأعلى فقط، وسأمر عليكما بين الفينة والأخرى حسب تفرغي".
ثم ابتسما معا.
في تلك الليلة، عاد كريم إلى منزله وتوجه مباشرة إلى درج مكتبه وأخرج منها ورقة وشرع يكتب رسالة إلى حبيبته سعاد يخبرها بما جرى معه اليوم، عند انتهائه، سمع طرقا على الباب، فطوى الرسالة ووضعها على سطح مكتبه، ثم قام من مكانه ليعرف من الطارق. تفاجأ عند فتحه للباب بمارية وهي تلبس فستان سهرة أزرق مكشوف الكتفين، وتحمل حقيبة يد حمراء، وقبل أن ترتمي عليه، كما تفعل عادة مع من تصادفهم، استوقفها بيديه قائلا، والاستغراب باد عليه،:
"ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت المتأخر؟"
أحسّت مارية بالحرج من حركته تلك، ثم حاولت أن تسيطر على انفعالها وهي تقول مبتسمة:
"ألا تدعوني للدخول أولا".
"آه، عذرا، تفضلي بالدخول، ولو أني لا أسمح بدخول النساء إلى منزلي".
قالت مستغربة:
"لا تسمح للنساء بالدخول لمنزلك؟؟!!".
"نعم، ليس من عادتي فعل ذلك".
اعترى الفضول مارية، وطلبت منه المزيد من التفسير، فشرح لها كريم تعاليم دينه الذي يحرم الخلوة بأجنبية في مكان واحد، حفاظا على الشرف والعفة لكلا الجنسين، وأخبرها بحديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها؛ فإن ثالثهما الشيطان".
ازداد احترامها له بعد كلامه ذاك، ثم طلبت منه تغيير ملابسه لأن مفاجأة تنتظره بالخارج. وافق على مضض، وقبل أن يذهب لغرفة نومه ليغير ملابسه دعاها للانتظار في مكتبه.
دخلت مارية للمكتب، وأخذت تنظر إلى كتب وضعت بعناية على مكتبة تتوسط القاعة، ثم جلست على كرسي مجاور للمكتب، فلفت انتباهها ورقة مطوية على سطحه، اشتعلت غريزة الفضول لديها، ففتحتها وأخذت تقرأ. شعرت بغصة في حلقها وهي تطالع تلك الرسالة التي وجهها كريم إلى حبيبته سعاد، ثم أغلقتها مسرعة، وهي تحبس دموعا حاولت التمرد، قبل أن يدخل عليها كريم وهو يقول مبتسما:
"كيف أبدو؟"
نظرت إليه مارية بإعجاب وقالت: "جنتلمان حقيقي".
تم تأبّطت ذراعه وخرجا معا من المنزل. استقلا سيارة أجرة إلى أحد المطاعم، وعند دخولهما إليه، صفّق جميع من بالداخل، ورددوا بصوت واحد: "مرحا.. مرحا بالبطل الهمام".
تفاجأ كريم بذلك الترحيب، وأدار نظراته بين الحضور، فوجد أن ساكنة العمارة التي يقطنها حاضرة إضافة إلى زميله رفائيل. تلقى التهاني من الجميع على عمله البطولي في إفشال محاولة اختراق الشركة، ثم توجه مع مارية ورفائيل وجاراه في المبنى أحمد وسيلفيو نحو طاولة في آخر المطعم. أخذوا يتحدثون ويضحكون قبل أن تأتي نادلة وهي تحمل زجاجات خمر فاخرة، وضعتها على الطاولة، وأخذت تسكب للجالسين كؤوسا منها إلى أن وصلت لكريم الذي اعتذر لها بلباقة، وطلب منها زجاجة مياه غازية فقط. استغربت مارية مرة أخرى من تصرفه وقالت له: "لقد طلبنا هذا الخمر الفاخر فقط من أجلك، فلم لا تشاركنا شربه؟!"
أجابها وهو يسكب المياه الغازية في كأس بجانبه: "الخمر محرم في ديننا الحنيف، فهو يسكر العقل ويجعله يتصرف بحماقة ودون مسؤولية".
"عجيب أمر دينكم هذا، لم أسمع بمثل هاته التعاليم من قبل". ثم أسرّت في نفسها على البحث والتنقيب عن أسرار الإسلام لتعرف كيف تتعامل مع كريم، لأنه شغفها حبا.
انتهت السهرة، وعاد كل واحد إلى منزله لينعم بقسط من الراحة قبل بزوغ فجر يوم جديد، وعمل مضن كالعادة.
رنّ منبه كريم معلنا السابعة صباحا. استيقظ وكلّه نشاط، ثم تناول فطوره على عجل واستقل سيارة أجرة نحو عمله. عند دخوله نادت عليه موظفة الاستقبال، وأعطته ملفا ضخما به بعض المهام وما المطلوب منه حسب منصبه الجديد. استقل المصعب إلى الطابق العاشر، وتوجه مباشرة نحو قاعة ضخمة كتب على مدخلها، مركز البرمجة والحماية، عدّل من هندامه، ومرّر يده اليمنى على خصلات شعره، ثم قال: "بسم الله، توكلت على الله"
و
يتبع..