الحرية لعلي أنوزلا

الثلاثاء، 24 أبريل 2012

خلف الأسوار- ج1



خلف جدران غرفة مظلمة إلا من بصيص نور يتسرب من نافذة ضيقة هي الوسيط بينه وبين العالم الخارجي، أخد يعيد قراءة رسالة للمرة الألف. في كل مرة يذرف دموع القهر والألم، وتخرج زفرات حارة من أعماقه. فهي تذكره بما كان عليه قبل أن يلج هذا المكان الذي يقال عنه "الداخل إليه مفقود، والخارج منه مولود".
كريم، هذا هو اسمه، شاب في عقده الثالث، أشعت الشعر أسوده، عريض المنكبين، متوسط القامة، تغلب على وجهه سمرة أضفت عليه جاذبية الرجل الشرقي. لم يكن يدري أن عقد العمل الذي أتاه من إيطاليا سيغير حياته للأبد.
الأحد، الخامس من أكتوبر سنة 2011، كان يوما روتينيا كغيره من الأيام بالنسبة لكريم، فمن استيقاظه إلى تناول وجبة الفطور في منزل والديه، يقضي معظم وقته في مقهى النت المجاور لبيته يبحث دون كلل أو ملل عن عمل يخرجه من بطالته، ومن نظرة ولديه المشفقة عليه تارة، والمتذمرة تارة أخرى.
دلف إلى المقهى، وجلس أمام جهاز الحاسوب يتصفح مواقع التوظيف دون جدوى، جل الوظائف الشاغرة إما أنها تطلب شخصا صغير السن، أو مؤهلا لا يتوفر عليه، أو إجازة غير تلك التي بحوزته. خاب أمله مرة أخرى، وقبل أن يغلق الجهاز، فتح بريده الالكتروني لعل وعسى، تأتيه رسالة من صديق أو خبر سار. بينما هو يطالع بعض الرسائل الواردة إليه، إذ برسالة أتته تلك اللحظة باللغة الإيطالية، تصفحها فلم يصدق ما شاهد. أعاد قراءتها أكثر من عشر مرات، وفي كل مرة يقول: "لا أصدق ما أرى.. مستحيل.. ربما أحلم".
بينما هو غارق في اندهاشه، إذ بيدين ناعمتين تغلقان عينيه من الخلف، وصوت أنثوي رقيق يقول: "من أنا؟".
علت على وجه كريم ابتسامة خفيفة، وقال وهو يستدير نحو الصوت: "حبيبتي، التي لا غنى لي عنها".
ضمها إليه بحنان وهو يقول وسعادة غامرة تعتريه: "سعاد، أخيرا.. أخيرا".
علت الدهشة محيا سعاد وهي تقول: "أخيرا ماذا يا كريم؟!".
"أخيرا جاءني الرد الذي كنت أنتظره منذ سنوات".
"لا تقل لي.."
"نعم هو كذلك".


يتبع..