الحرية لعلي أنوزلا

الأحد، 1 أغسطس، 2010

قناعة امرأة -الجزء الأخير-

لمن فاتته الأجزاء السابقة، إليكم روابطها:


***********

دنت منه وأسنانها تصطك، فاستجمع والدها الشيخ كل قوته ورفع يده اليمنى للأعلى وهوى بها على وجهها.. سقطت سهام على ظهرها والصدمة لم تفارقها، أخذت تتحسس مكان الصفعة وعيونها جاحظة تنظر لوالدها المتهالك وهو يسعل بشدة، ثم قال بصوت ضعيف حاول أن يجعله قويا: "أهكذا ربيتك؟ تطعنيني من الخلف وأنا الذي حاولت أن أنشئك على الإيمان والتقوى.. يا ليتني مت قبل أن أراك تزيغين عن النهج الذي رسمته لك.. يا ليت.. يا ليت.."، ثم أخذ يبكي بحرقة، فأشاح بوجهه عنها واستدار عائدا لغرفته، إلا أنه من شدة غضبه لم ينتبه لحجر أمامه أعاق عجلة كرسيه، فأخذ يهزه بقوة ففقد توازنه وارتطم رأسه على الأرض الاسفلتية بشدة فسالت دمائه بغزارة. نهضت سهام مصعوقة وأخذت تصيح بأعلى صوتها: أبي.. أبي.. لا.. لا.. لا..
ضمته إلى صدرها وهي تنتحب وتقول: سأفعل كل ما تطلبه مني، أرجوك ابق معي، أرجوك..
نظر إليها بتهالك والدمع مازال على خده، ثم رفع سبابته للأعلى ففاضت روحه وهو بين راحتيها..
لا..لا.. لا.. لا.. أبـــــــــي..
فأغمي عليها. استفاقت على نحيب الجيران وعويلهم، لوهلة لم تدر ما حصل، خاطبت النسوة المحيطات بها: "ما بالكن تبكين؟؟ ماذا وقع؟؟"
لم تجبها أي واحدة منهن، فتعال الصراخ من جديد، أخذت تنظر للجموع الغفيرة التي احتلت منزلها، وعبارات "عظم الله أجركم، اللهم صبّرها، كان رجلا متدينا، رحمه الله" تدور بدهنها بسرعة تحاول استيعاب ما حدث، فاسترجعت كل ما دار من أحداث مع والدها، ومنظر الدماء الغزيرة التي سالت من رأسه، فنهضت كالمجنونة وتوجهت نحو غرفته وهي تقول: "أبي.. أبي.. لا تتركني.. سأفعل كل شيء تأمرني به.. أبي"، إلا أنها وجدت الغرفة خالية فسقطت مرة أخرى مغشيا عليها.
مرت الأيام والأشهر تغيرت فيها سهام تغيرا جذريا، ارتدت الحجاب، وأصبحت ترتاد المسجد وتحافظ على صلواتها في الوقت، وحفظت القرآن الكريم، وكانت في كل جمعة تزور قبر والدها تدعو له وتطلب منه الصفح، فباتت تعرف في كل الحي بسهام المؤمنة التقية بعدما كانت تُعرف بسهام المتعالية المغرورة.
في إحدى الليالي المقمرة، وبينما كانت نائمة، إذ بها ترى شيخا وقورا يلبس البياض، ونور ساطع يخرج منه، يقترب منها وابتسامة رضا تعلو محياه ويقول: "الآن يا سهام.. الآن..".
أخذت سهام تنظر إليه بإمعان فجاءها شعور قوي بأنه والدها، أخذت تصيح: أبي، أبي.. وهو يتوارى عن الأنظار رويدا، رويدا.. فاستفاقت وهي تناديه..
لم تستطع تلك الليلة النوم من شدة الفرحة، فأخيرا رأت والدها راض عنها. قامت فتوضأت وصلت إلى شروق الشمس، ثم عادت للنوم.. استفاقت على جرس الباب، فارتدت حجابها على عجل وهي تقول: "انتظر أيها الطارق، أنا آتية حالا"..
فتحت الباب وابتسامة تعلو محياها، فاصطدم بصرها بوجه صبوح لرجل في الأربعين، أنيق الملبس ومعه سيدة عجوز يظهر عليها الصلاح والتقوى، يحملان باقة من الورود الحمراء.. خفضت سهام بصرها حياء وهي تتساءل بداخلها: من هؤلاء، وماذا يريدان؟؟
سمعت صوت الرجل يخاطبها بصوت متلعثم: أهذا بيت الحاج حسين والآنسة سهام؟
قالت سهام بصوت خفيض: نعم هو هذا.. هل من خدمة؟؟
تدخلت السيدة العجوز قائلة: أتينا للحديث مع الحاج الحسين في أمر..
توفي والدي منذ أشهر، وأنا الآن وحيدة في هذا المنزل..
لم نكن نعلم يا بنيتي.. عظم الله أجرك في والدك، ونسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته..
آمين يا خالة.. تفضلا بالدخول..
شكرا لك بنيتي.. ربما تتساءلين عن سبب زيارتنا لك، أليس كذلك؟
نعم يا خالة، فهذه أول مرة أراكما في هاته المنطقة.. خيرا إن شاء الله
أتينا يا بنيتي نطرق المنزل من بابه، وأطمع في أن توافقي على ابني زوجا لك، فلقد سمعنا عن حسن أخلاقك وتدينك وهذا ما نبحث عنه.. فما رأيك؟؟
ألجمت المفاجأة لسان سهام، وعلت وجنتيها حمرة زادت من نضارة وجهها فأطرقت ببصرها الأرض ولم تحر جوابا..
أحست المرأة العجوز باضطراب سهام فقالت لها: سنعود بعد أسبوع من الآن لنعرف ردك، فلقد فاجأناك بهذا الخبر وكنا نريد الحديث مع والدك رحمه الله فيه.. لكن قدر الله وما شاء فعل..
ودّعاها بأدب جم على أمل اللقاء في الأسبوع القادم..
لم تدر سهام ماذا تفعل، فاتصلت بخالها القاطن في أقصى المدينة وحكت له ما حدث ولم تخف سعادتها، فرح هو أيضا بالأمر وأخبرها بأنه سيكون معها في اليوم الموعود.
مرّ الأسبوع بسرعة وحانت اللحظة التي انتظرها الجميع منذ زمن طويل. رن جرس الباب فارتبكت سهام وطلبت من زوجة خالها فتح الباب بينما هو كان جالسا بغرفة الضيوف..
فتحت زوجة الخال الباب بابتسامة عريضة وقالت للرجل وأمه: مرحبا بمن زارنا.. تفضلا أرجوكما..
دخلا وهما يحملان إكليلا آخر من الزهور أكبر من الأول وأجمل، وتوجها مباشرة إلى غرفة الضيوف. استقبلهما خال سهام بترحاب شديد، فعرّفهما بنفسه، وأجلسهما قُبالته وقدم لهما الشاي والحلوى، هنا قالت أم الخاطب: شكرا لك سيدي على حسن الترحاب وأظنك تعلم سبب مجيئنا أليس كذلك؟
نعم، لقد حكت لي ابنة أختي كل شيء
فما قولك؟
لا مانع لدي، فما يهمني هو سعادة سهام، لكن أرجو أن تعذريني، نحن لا نعرف شيئا عنكما..
لك الحق سيدي في السؤال، اسمي خديجة زوجة الحاج عبد الله أكبر تاجر في المدينة، وهذا أحمد ابني البِكر، يمتلك مصنعا ضخما للنسيج وفيلا تطل على البحر، إنسان متدين وخلوق، كان يبحث عن فتاة متدينة يكمل معها مسيرة حياته فوجد سهام بعد بحث طويل لما سمع عنها وعن تدينها، أظنك بهذا عرفت كل شيء عن ابني.
لم يتبق الآن سوى أن نعرف رأي سهام. سهام.. سهام.. تعالي بنيتي
دخلت سهام وهي تلبس فستانا أزرق طويلا ينسجم مع حجابها وتحمل بين راحتيها صينية بها عصائر مختلفة، دخلت على استحياء وهي مطأطأة الرأس وجلست بقرب خالها، فعاجلها بقوله:
لقد جاءت السيدة خديجة لتطلب يدك لابنها السيد أحمد، فما قولك؟
احمرت وجنتا سهام ولم تستطع الكلام، فابتسم خالها وقال للسيدة خديجة: السكوت علامة الرضا، على بركة الله..
اتفقوا على أن يكون يوم الجمعة هو يوم الزفاف، فبدأت الاستعدادات والدعوات له.
كان زفافا بهيا حضره العديد من وجهاء المدينة، وتحاكى عنه القاصي والداني مدة طويلة..
مرت أربع سنوات، عاشت فيها سهام أحلى أيام عمرها، وأنجبت طفلين أسمت الأول حسين تيمنا بوالدها الراحل، والثاني عبد الله على اسم والد زوجها.. كبرا الولدان وأصبحا من خيرة شباب المدينة بتدينهما وطاعتهما لوالديهما، ولم تهنئ سهام حتى زوجتهما بفتاتان عرفتا بجمالهما وحسن خلقهما.
تمت بحمد الله