الحرية لعلي أنوزلا

الخميس، 29 يوليو، 2010

قناعة امرأة -الجزء الرابع-

لمن فاتته قراءة الأجزاء السابقة، إليكم روابطها:


**********

ابتسمت بمكر وقالت لها: أعرف رجلا لديه بركة عجيبة، يحُلّ جميع العقد في زمن قياسي حتى بات مشهورا في داخل الوطن وخارجه، ألا تعرفينه؟
أجابتها سهام والدهشة تعلو محيّاها: "لم أسمع عنه من قبل، فلست من هواة التلفزة أو قراءة الجرائد، كل ما يستهويني الأعمال اليدوية، ولدي ورشة صغيرة في مرآب منزلنا أصنع فيها بعض المنتجات وأبيعها".
عجيب أمرك، أول مرة أسمع عن شابة لا تشاهد التلفاز. ألا تعلمين أنه يظهر في العديد من القنوات الفضائية، وأغلب الجرائد والمجلات تتهافت لنيل سبق الحديث معه؟
قاطعتها سهام بنبرة تحمل الكثير من الشوق: وهل تظنين أنه سيجد حلا لمعضلتي؟ آه لو فعل لأكرمنك غاية الكرم.
تهللت أسارير السيدة لكنها لم تبدِ ذلك، وقالت لها بيقين تام: كلّي ثقة في أن هذا الرجل سيكون سببا لسعادتك، وستدعين لي".
إذن هيا بنا، فلا أطيق صبرا للقياه.
على رسلك يا بنيتي، فسِنّي لا يسمح لي بالركض أو الهرولة.
توجهتا سوية نحو حي راقٍ من أحياء المدينة. من بعيد رأت سهام صفا طويلا من الناس ينتظرون خارج إحدى الفيلات الفارهة، فسألت السيدة: ما بال هؤلاء واقفون أمام ذلك المسكن، أهو مستشفى خصوصي؟!
ضحكت السيدة وقالت: يمكنك أن تقولي هو مستشفى، لأن من به يشفي كل مريض ويساعد كل من يحتاج لمساعدة، إليه نتوجه الآن عساه يساعدك يا بنيتي ويحقق مرادك.
أسرعت سهام الخطى حتى وصلت إلى المنزل، فأخذت دورها كغيرها وهي مشدوهة مبهورة بكل هذا الكم من الناس الذي ينتظر.
دخلت إلى الفيلا، فرأت صالة شاسعة كتب على بابها "قاعة الانتظار" ، وفتاة جميلة تجلس على مكتب وتوزع أرقاما على الحاضرين، وشاب ينادي في أقصى القاعة على الأرقام، كل من يسمع رقمه يتجه مباشرة إلى الغرفة التي بها الرجل المُهاب، يجلس برهة من الزمن ثم يخرج وعلى وجهه علامات الرضا والحبور.
انتظرت سهام ما ينهاز الساعتين، وأخيرا سمعت رقمها، فتوجهت مباشرة إلى الغرفة التي دلها عليها الشاب.. دخلت على استحياء وهي تحس برهبة وقشعريرة تعمُّها. أطرقت ببصرها الأرض وسمعت صوتا في أقصى القاعة يطالبها بالجلوس على أريكة فاخرة. نفذت الأمر دون تردد، وسمعت الرجل يقول لها: مرحبا بك آنسة سهام، كيف حالك؟
أخرست المفاجأة سهام وأخذت تخاطب نفسها: كيف عرف اسمي وهو لم يرني من قبل؟؟ أظن أنه إنسان متمكن، ويعرف كل شيء . انتبهت لشرودها، فقالت له: أنا بخير سيدي والحمد لله، أتيتك راجية..
قاطعها قائلا: أعرف سبب مجيئك، وتأكدي أن مرادك سيتحقق بعد مدة قصيرة، فحالتك ليست بالعسيرة كما تتصورين.
رقص قلب سهام فرحا عند سماعها هذا الكلام، وشاهدته بطرف عينيها يتمتم بعض الكلمات غير المفهومة ويكتب على ورقات صغيرة بعض الطلاسم الغريبة، ثم قال لها: "خذي هذه الورقات واحرقي كل ورقة على حدة أمام بيتكم عند شروق الشمس مباشرة لمدة أسبوع كامل، بعد ذلك عودي إلي كي أعطيك وصفة أخرى، وإن شاء الله سيسعد قلبك بالنتيجة" .
خرجت سهام وهي مبتهجة، وذهبت مباشرة إلى الفتاة التي بالاستقبال، وأعطتها مبلغا لا بأس به من النقود كان بحوزتها، ثم عادت أدراجها للمنزل.
قامت بتنفيذ كلام الرجل بحذافيره، فكل صباح عند الشروق مباشرة تخرج أمام منزلها وتحرق ورقة من الورقات المطلسمة، ثم تعود إلى الداخل خلسة حتى لا يسمعها والدها ويوبخها، لأنها تعلم أنه يكره مثل هؤلاء الأشخاص كرها شديدا.. مرّ أسبوع كامل أحرقت فيه جميع الورقات، ثم عادت إلى الشريف كما أمرها. دخلت عنده وأخبرته بما قامت به بالتفصيل الممل. أثنى على عملها، وطلب منها هاته المرة ذبح ديك أسود أمام منزلها، وشرب بعض من دمه، ورش الباقي على جدران باب منزلها وفناءه.. رضخت لأمره دون مناقشة كمن سُلِبت إرادته. ذهبت للسوق واشترت ديكا أسودا، ثم أخفته في مرآب منزلها، وفي الصباح الباكر قبل الشروق، أخذت سكينا حادا من المطبخ ثم أمسكت بالديك وأخرجته لباب منزلها، قبل أن تذبحه، سمعت صوتا قويا من الداخل يقول لها: ماذا تفعلين عند الباب في هذا الوقت المبكر؟
ألجمتها المفاجأة فأسقطت سهام السكين وأطلقت الديك، فاستدارت وهي ترتعد من شدة الخوف.. رأت والدها مقطبا جبينه ومشبكا أصابعه على كرسيه المتحرك، فقالت بصوت متلعثم: لا شيء أبتاه، لم أفعل شيئا.
وما الذي كنت تحملينه، أليس ديكا أسودا وسكينا؟
آآآ.. نعم.. نعم.. لكن..
لكن ماذا.. اقتربي مني هيا بسرعة..
هرولت سهام نحو والدها، وعرق شديد يتصبب من جبينها كشلال ودقات قلبها تتسارع كمن كانت في عدو سريع.. وقفت أمامه وهي تلهث من التوتر والخوف، فقالت له: ها أنا ذا يا أبتاه..
أدنو مني بنيتي لا تخافي..
دنت منه وأسنانها تصطك، فاستجمع والدها الشيخ كل قوته
و
يتبع..