الحرية لعلي أنوزلا

السبت، 18 ديسمبر 2010

شموخ



إهداء إلى كل مدونة عانت أو تعاني من الاعتقال الظالم عليها جراء ما تنشره من رأي حر، تسعى من خلاله وضع الحقيقة أمام الرأي العام..

********

صدمها حال الفلسطينيين على شاشة التلفاز، فحملت على عاتقها الدفاع عنهم، لكنها احتارت في الطريقة إلى أن اهتدت إلى الكتابة، فأنشأت مدونة على النت افتتحتها بقصيدة عن فلسطين وما يعانيه شعبها، لم يمر على نشرها ساعات قليلة حتى سمعت دقات شديدة على باب منزلها، فتحته وقلبها ينبض بشدة.. وجدت رجالا يحملون مسدسات ونظراتهم تتقاطر شررا، فصاح كبيرهم في وجهها: هل أنت شموخ؟

أجابت باستغراب، ونبرة الخوف بادية عليها: نعم.. أنا هي

لم تكمل جملتها حتى انقض عليها اثنان منهم وكبلا معصميها، ووضعا كيسا أسودا على رأسها وهي تصرخ ولا من مغيث. حقنوها بمخدر استيقظت منه بعد برهة من الزمن، فوجدت نفسها في غرفة رطبة، مظلمة، تفوح منها رائحة عفنة، ومقعد يتيم مهترئ وسط القاعة، وسرير بغطاء بال كانت ترقد عليه. أخذت تبحث عن منفذ أو بصيص من نور دون جدوى. سمعت خطوات تقترب من الباب، فانزوت في أقصى الغرفة وفرائصها كلها ترتعد من شدة الخوف.. فُتح الباب، فدخل رجلان، أحدهما بلباس أبيض مثل الذي يرتديه الأطباء، والآخر يلبس زيا عسكريا. رأتهما فازداد انزوائها أكثر في ركن الغرفة، وتسارعت دقات قلبها لأنها لا تعرف لحد الآن سبب اختطافها، وما الذي يريدونه منها هؤلاء المختطفون..

أمسكنها الرجل العسكري بقوة وكبل يديها مرة أخرى خلف ظهرها، وأقعدها على ذاك الكرسي المهترئ بغلظة، ثم تقدم الطبيب وهو يحمل أداة غريبة ويثبتها على رأس الشابة، وهي تحاول جاهدة المقاومة والنهوض، إلا أن يدا الجندي ضغطتا عليها بإحكام فخارت قواها ..

سألها الطبيب بنبرة تشبه فحيح الأفعى: إلى من كنت توجهين كلامك؟

ماذا تقصد، لم أفهم؟

أنا الذي يسأل وليس أنتِ

ثم ضغط زرا في تلك الآلة فأحست شموخ بصعقة كهربائية شديدة تسري في جسدها، وخرجت منها صرخة شديدة غابت بعدها عن الوعي..

ظلت على هاته الحالة ما يناهز النصف ساعة ثم استفاقت وهي تشهق جراء الماء البارد الذي سكبه عليها الطبيب وهو يبتسم بمكر، وأعاد السؤال عليها مرة أخرى..

إلى من كنت توجهين كلامك؟

أي كلام ؟! لا أدري عما تتحدث!

عزيزتي، أتريدين اللعب معي، عليك أن تعلمي أنك لستِ الوحيدة التي أقوم باستجوابها، فلدي العديد من أمثالك ينتظرونني، وصبري بدأ ينفذ..

هنا تدخل الرجل بالزي العسكري وقال لها: يحدثك عما كتبته في مدونتك، هل تقصدين النظام الحاكم بكلامك ؟؟

مالي ومال الأنظمة، أنا أكتب عما يجول بخاطري ويشعر به قلبي، وكل ما أنشره يعبر عن رأيي الخاص، دون أي توجه آخر أو أي انتماء سياسي..

لكن ما كتبته به إيحاءات أنك تقصدين فئة معينة، وهاته الفئة مقدسة، من يمسها ولو بالإيحاء يعاقب بشدة..

أقسم لكم أني لم أقصد بما كتبته أي فئة، أنا تحدثت عن فلسطين واستغاثة شعبها بالأحرار في العالم لنجدتهم، ليس إلا..

أنت عنيدة رغم صغر سنك، لكن كم من جبال انهدت أمام وسائلي، وستعترفين إن عاجلا أو آجلا حتى ترتاحي من هذا الجحيم الذي سأذيقه لك الآن..

ما كاد يكمل هذه الكلمات، حتى ضغط على زر آخر من أزرار آلته ارتعدت على إثرها كل أعضاء شموخ، فصرخت صرخة مدوية زاغت على إثرها عيناها حتى كادتا تخرج من محجريها، لكن الطبيب قطع التيار حتى لا تفقد الوعي، وأعاد تكرار سؤاله، لكنه تلقى نفس الجواب..

أمسكها من شعرها بقوة ويداها مقيدتان، ثم غطس رأسها في دلو مليء بالماء البارد أحست على إثرها، شموخ، بصفعة قوية على وجهها واحمرار شديد كأنها في صقيع سيبيريا. حاولت جاهدة رفع رأسها لكن دون جدوى، فقبضة الطبيب كانت محكمة.. بعد مرور ثلاثين ثانية، أخرجها بعنف، فشهقت شهقة قوية، وأخذت تتنفس الهواء بشدة رغم عفونته جراء رطوبة المكان، إلا أنها أحست به عليلا في ظروفها هاته.

"أمازلت تصرين على أقوالك" قالها الرجل العسكري بغلظة، فأجابت شموخ وهي تكاد تفقد الوعي:

نعم، ولن أزيد حرفا واحدا..

هنا، صفعها العسكري بقوة، فسقطت على أرضية الغرفة مغشيا عليها، تركاها كما هي، واتجها صوب باقي الغرف كي يخرجا اعترافات أخرى من الزوار الذين ألق بهم القدر نحو هذا المعتقل السري.

مرت أربعة أيام على الاعتقال، فقدت خلالها شموخ معنى الزمن، وكانت تفكر في شيء واحد، كيف تتصرف عائلتها الآن، خصوصا والدتها المريضة، لم تدر أن أمها قد استحملت آلام مرضها، وأخذ تكتب رسائل النجدة والاستعطاف لجميع الجهات المسؤولة، وعندما لم تتلق أي جواب إيجابي، قامت بمراسلة الصحف المحلية والدولية، وجمعيات حقوق الإنسان، حتى أصبح القاصي والداني يعلم باختفاء شموخ، فتجندت لذلك نقابات الصحفيين والمحاميين، حتى جمعيات المدونين قاموا بحملات تنديدية على الشبكة منسقين مع بعض المجموعات على الفايس بوك كي يضغطوا على النظام الحاكم ببلد شموخ من أجل الإفراج عنها، لكن، رغم كل هذا، لم تستطع الأم أن تعرف مصير ابنتها، اللهم اتصالا هاتفيا من مجهول أخبرها أن ابنتها مازالت على قيد الحياة في مكان ما.

كل هذه الأحداث كانت تجري في الخارج وشموخ في غرفتها تتألم ليس على مصيرها، بل على والدتها المريضة التي قد يتفاقم مرضها مع اختفاء ابنتها. بينما هي تفكر في هذا الأمر، دخل الرجل ذو البذلة العسكرية غاضبا وهو يقول: ألا يكفينا ما كتبت أيتها، وتلفظ بألفاظ بذيئة، حتى تأتي والدتك لتزيد الطينة بلة؟؟

والدتي؟! وماذا فعلت؟

لقد جعلت سيرتك على كل لسان، وأصبح اختفائك قضية رأي عام

تهللت أسارير شموخ، وأدركت أن والدتها قاومت مرضها من أجلها، وأقدمت على أمر القليلون هم من يستطيعون تنفيذه، فتحدت بذلك النظام الحاكم، وخرجت للوجود.. هذه هي الأم الحنون، التي لا تستطيع أن تتخلى عن فلذة كبدها..

فقالت في تحد: إنها أمي.. تخاف علي من الهوى الطاير، فما بالك وقد اختطفت؟؟

على العموم، فلتفعل ما تشاء، مصيرك بين أيدينا ولا يستطيع أي شخص أن ينقذك، استعدي فيوم غد ستعقد محاكمتك.. ثم خرج وصفق من خلفه الباب..

ظلت شموخ الليل بأكمله وهي تفكر في المحاكمة، وهل ستكون عادلة، أم ستكون صورية كما كانت تسمع من قبل. توضأت بالقليل من الماء الموجود لديها، وصلت ركعات لله، وهي تدعوه راجية أن يخفف مصابها وأن يمدها بالقوة لتتحمل ما سيأتي من قادم الأيام.

لم تشرق الشمس بعد، حتى دخل الرجل العسكري مع أحد الجنود، وقال لشموخ:

قفي، فقد حانت ساعة محاكمتك

قيد الجندي معصميها، وأشهر في وجهها سلاحه مشيرا إليها بالتقدم. رضخت شموخ للأمر، وأخذوا يمشون عبر دهليز طويل، وكانت كلما تقدمت في هذا الممر، تسمع صراخات بعضها مكتومة وبعضها عالية لسجناء مثلها، فكان قلبها يتمزق ألما لمصيرهم.. مرت نصف ساعة على خروجها من غرفتها، وأخيرا وصلت إلى غرفة أكبر بضعفين من غرفتها، ووجدت فيها ثلاث من الرجال يحملون بذلا عسكرية، وعلى أكتافهم نياشين بجميع الأحجام والألوان، عرفت من خلالها أن هؤلاء مسؤولون كبار في الجيش، فتوقعت أنها ستحاكم عسكريا وليس مدنيا.

أجلسها الجندي على كرسي، فابتلعت ريقها، وأخذت تتفحص هؤلاء الأشخاص بنظرات حاولت أن لا تظهر خوفها، فسمعت أكبر هؤلاء المسؤولين سنا يقول لها وهو جالس على كرسي وثير:

وصلنا أنك قمت بكتابة قصيدة قذفت فيها النظام الحاكم، هل هذا صحيح؟

أجابت بصوت واثق: ليس صحيحا، أنا أكتب فقط من أجل القضية الفلسطينية والحريات العامة، ليس إلا..

لكن ما قرأناه يؤكد أنك قمت بسب النظام بطريقة غير مباشرة، ونحن خبراء في قراءة ما بين السطور.. أما زلت تصرين على نكرانك؟

كما قلت لك سيدي، لم أقذف في حياتي نظاما حاكما لأي دولة، فأنا أدافع عن الأصوات الحرة، وعن المظلومين، وأحاول تعريف الرأي العام بهم وبمعاناتهم..

أهذا كل ما لديك؟

نعم.. قالتها بكل ثقة، وأضافت: إن كان اتهامي هو الدفاع عن المظلومين ونشر معاناتهم ليعرفها الكل، فأنا مذنبة إذن، وأفتخر.. ثم وقفت في شموخ لتسمع حكم المحكمة.