الحرية لعلي أنوزلا

الخميس، 17 يونيو 2010

رجال ورجال


بعد حادثة أسطول الحرية، أرعد العالم وأزبد، لكنه برغم انتفاضته بقيت حليمة على عادتها القديمة. لم يستطع أحد أن يحاكم، لحد الساعة، "إسرائيل" أو يقول عنها أنها ظالمة وسادية ونازية.. لا أحد، من أنظمتنا الموقرة، استطاع أن يفتح فاه ويعزز ذلك بقرارات حاسمة يبرز من خلاله عزته وكرامته ودفاعه عن غزة والأقصى وفلسطين.

لكن، كان هناك، من غير العرب، من قام بهذا الدور ليس قولا فحسب بل عملا، فاستحق أن يسجل اسمه في التاريخ بمداد من ذهب. واستحق أن أقول عنهم رجالا، لأن الرجولة-من منظوري الخاص- ليست صفة لجنس بل هي صفة لخُلق.. خلق الشهامة والكرامة والشجاعة والجهر بالحق والدفاع عنه.



* فهذه السيدة هيلين طوماس الملقبة بنقيبة الصحفيين بالبيت الأبيض، والبالغة من العمر 89 عاما، والتي أخبار أغلب رؤساء الولايات المتحدة، بدءا من الرئيس جون كنيدي إلى غاية الرئيس الحالي أوباما، لم تستطع الصمت على المجازر التي قام بها الصهاينة على أسطول الحرية، فقالت فيما معناه، أن يخرج الإسرائليون من فلسطين، وعليهم التذكر بأن هؤلاء الفلسطينيون يقبعون تحت الاحتلال وتلك أرضهم، ولم تكتف بهذا الأمر بل تعدته بقولها: على الإسرائليين العودة إلى ديارهم في بولندا وألمانيا والولايات المتحدة أو أي مكان آخر.


هل هناك جرأة أكبر من هذه؟؟ رغم أنها أقليت من منصبها ولم يشفع لها تاريخها الحافل في ميدان الصحافة، إلا أن ما قامت به سيبقى في التاريخ.



* وهذه الآنسة اميلي حنوخوفتش أمريكية من أصل يهودي تبلغ من العمر 21 سنة، فقدت إحدى عينيها وتشوّه وجهها إثر إصابتها إصابة مباشرة بقنبلة غاز عندما كانت تتظاهر مع الفلسطينين احتجاجا على سيطرة الجيش الإسرائيلي لسفن أسطول الحرية الذي كان متوجها لكسر الحصار عن غزة. فهل هناك تضحية أكبر من هاته لشابة في مقتبل العمر، ذنبها الوحيد أنها احتجت عن التصرفات الهمجية التي قام بها الصهاينة على مجموعة مسالمة من الناس كان همهم الوحيد إيصال مساعدات إنسانية لشعب غزة المحاصر؟




* وهذا الرئيس النيكاراجوي "دانييل أورتيجا" قطعت بلاده علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل ردا على الهجوم الدامي على أسطول الحرية الذي كان متجها إلى غزة.

وقال في بيان تلاه على شعبه وشاهده العالم أن: "نيكارجوا تقطع فورا علاقاتها الدبلوماسية مع حكومة إسرائيل"، مضيفا أن حكومة نيكارجوا، القريبة من اليسار الراديكالى "تشدد على عدم التكافؤ فى الهجوم على البعثة الإنسانية وذلك في انتهاك فاضح للقانون الدولي وحقوق الإنسان".



فهل هناك من حكامنا من تجرأ على قول مثل هذا الكلام وعزّزه بالفعل؟؟



* وما أشعرني بأن العرب مازال فيهم أمل وخير، أن الحكومة الكويتية انسحبت من اتفاقية السلام العربية التي وقعتها من قبل إثر ضغط من البرلمان الكويتي الذي أحييه من هذا المنبر. وكنت أنتظر لو حدت بحدوها باقي البرلمانات العربية حتى تضغط على حكوماتها كي تنسحب هي الأخرى من هاته الاتفاقية العار. لكن لا حياة لمن تنادي.




استدراك



* وهذه فينزويلا تحت قيادة رئيسها تشافيز قطعت علاقتها الدبلوماسية مع إسرائيل بعد الهجوم على قطاع غزة سنة 2009 . وفي آخر تصريح له في احتفال عام نقل وقائعه التلفزيون الفنزويلي الرسمي، بعد أحداث مجزرة أسطول الحرية: "ملعونة انت يا دولة اسرائيل ، ملعونة انت ، ارهابية وقاتلة. يعيش الشعب الفلسطيني".



* ونفس الشيء قامت به بوليفيا حليفة فنزويلا، هي أيضا قطعت علاقتها الدبلوماسية بإسرائيل بعد الهجوم الصهيوني على قطاع غزة سنة 2009.





* أما كوبا فقد كانت من السباقين لقطع علاقاتها مع الصهاينة وذلك سنة 1973. وفي آخر تصريح له بعد القرصنة على أسطول الحرية، قال فيدل كاسترو :" إن إسرائيل جعلت من الصـليب المعقوف رايتها على ما يبدو، ولن تتردد في إرسال فلسطينيي قطاع غزة إلى «أفران الغاز»".



* أخيرا، وليس آخرا، السيد رئيس الوزراء التركي "طيب رجب أردوغان" الذي طلع نجمه بعد موقفه البطولي في قمة دافوس الدولية التي عقدت بسويسرا بانسحابه احتجاجا على منعه من التعليق على مداخلة مطولة للرئيس الإسرائيلي "شمعون بيريس" بشأن العدوان الإسرائيلي على غزة.. بينما بقي الأمين العام لجامعة الدول العربية جالسا في مقعده.. واكتفى فقط بمصافحة أردوغان.

وبعد الهجوم على الأسطول، واستشهاد بعد الرعايا الأتراك، انتفض غاضبا هو الدولة التركية بأكملها، وقال تصريحات قوية، لم نسمع مثلها عند ساساتنا ومن يملكون رقابنا، فتأملوا قوله: ""تركيا بالتأكيد ليست دولة قبائل، ولا يجب أن يختبر صبرها أحد، وصداقة تركيا قوية، وكما أن عداوتها قوية، وخسارة صداقتها في حد ذاتها ثمن يدفع".

وزاد قائلا "حان الوقت لأن يقول المجتمع الدولي: كفى. ينبغي ألا يقتصر تحرك الأمم المتحدة على قرارها الذي يدين إسرائيل ولكن يجب أن تقف وراء قرارها". وأضاف "على إسرائيل أن ترفع الحصار غير الإنساني عن غزة فورا. إن قتل الأبرياء استهتار كريه".

بهذه القوة، وهذا الكبرياء، استطاع أن يجعل من الدولة الصهيونية، ولأول مرة في التاريخ، تعتذر لدولة أخرى، وحدث هذا الفعل بعد إهانة السفير التركي بإسرائيل. وهي الآن تقوم بالبحث في شأن الحصار عن قطاع غزة، وهي التي لم تكن في حياتها تفكر مجرد التفكير في التحدث عن الحصار، فما بالك الآن وهي تقوم بالتخفيف عنه شيئا فشيئا.


* وأخيرا، أحب أن أحيي تحية إجلال وإكبار واعتزاز للملك الراحل فيصل بن عبد العزيز آل سعود الذي كان له دور كبير في دعم القضية الفلسطينية لدرجة أنه قام بإيقاف تصدير البترول عن الدول المؤيدة لإسرائيل, بما فيها أمريكا, وتأييده الكبير مادياً ومعنوياً لكل من جمهورية مصر العربية, والجمهورية العربية السورية, والمملكة الأردنية, وقوات الثورة الفلسطينية, وللدولة اللبنانية إبان الحرب التي كانت تشنه عليهم "إسرائيل"، فلم يأبه بخسارته ملايين الدولارات جراء هذا القرار الشجاع.


وتأملوا ما قاله، رحمه الله، في خطاب بعدما قام بمنع البترول عن الغرب:


مثل هذا الرجل علينا الترحم عليه والدعاء له، فلو احتدى بحدوه حكامنا في ذلك الوقت، لكانت الآن "إسرائيل" في خبر كان، لكن ما العمل والوهن الذي أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم هو المسيطر على قلوبهم، نسأل الله العفو والعافية.


هؤلاء هم الرجال..


أمّا ما عداهم، فلا يستحقون أن أذكرهم في هذا المقال .. لأن مآلهم مزبلة التاريخ.