الحرية لعلي أنوزلا

الثلاثاء، 28 أغسطس، 2012

إشراقة أمل



أحس باكتئاب شديد، في غسق الليل، لم يستطع التخلص منه. خرج من المنزل على غير هدى حتى وجد نفسه فوق صخرة تطل على بحر متلاطم الأمواج. نشب صراع شديد بين رغبته في السقوط، وبين خوفه من المصير الذي سيلقاه إن فعل ذلك.. بقي على هذه الحال حتى رأى فتاة فاتنة، أشرقت الشمس بقدومها.. كانت تسير برشاقة كنحلة بين الأزهار، فخفق لها قلبه، وأحس بانجذاب شديد نحوها، فكان ذاك الشعور سببا في إقلاعه عن فكرة الانتحار، وتسطيره لأمل جديد محوره الاقتران بهذا الملاك الذي أتى من السماء لينقذه من براثن اليأس.

تمت

الأحد، 19 أغسطس، 2012

عيدكم مبارك سعيد






بالأمس كنا ندعو الله سبحانه أن يبلغنا رمضان، واليوم رحل عنا وحل عيد الفطر، عيد يفرح فيه المؤمنون بقضاء شهر عبادة وتقرب إلى الله..

حلّ يوم قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه"، فرحة الصائم بانتهاء أيام من الطاعات يرجو الله سبحانه وتعالى منها أن يغفر له ذنوبه ويجنبه النار ويدخله الجنة التي وعدها..

لكن، هل رمضان هو فقط شهر واحد أم العمر كله؟؟ الأصل في هذا الشهر الفضيل هو الصوم عن المحرمات والتقرب إلى الله بالطاعات، وهذا الأمر على المؤمن الصادق أن يجعله ديدن حياته كلها، لا شهرا واحدا في السنة، أيدركه أم لا؟

على المؤمن أن يحافظ على ما كان يقوم به من أوراد وقربات في رمضان إلى غيره من الأشهر الأخرى، ويستشعر بوجود الله حتى يغفر له سبحانه ذنوبه ويجعله من المحسنين ..

وأخيرا.. تقبل الله منا ومن جميع أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  الصيام، والقيام، وصالح الأعمال، وجعلنا من عتقائه من النار. وفرّج عن إخوتنا في سوريا وبورما وفي باقي البلدان الإسلامية المضطهدة ما هم فيه، ونصرهم على أعدائهم.. آمين.. آمين.. آمين

وعيدكم سعيد، وكل عام وأنتم بألف خير وسلامة

السبت، 18 أغسطس، 2012

أغلى هدية





ضيق ذات اليد منعته من شراء هدية العيد لابنته الوحيدة، فدخل لمنزله مهموما، حزينا.. رأته ابنته على تلك الحالة، ففطنت، رغم حداثة سِنّها، بما يعتري صدر والدها. اقتربت نحوه وهي تمد خدّها إليه.. ابتسم وضمّها إلى صدره بحنان، ثم قبّلها على خديها، فقالت له بصوت متلعثم وهي تبتسم ابتسامة طفولية: "قبلاتك أبي، هي أحلى هدية عيد". وقع كلامها على قلبه بردا وسلاما، فذرفت من مقلتيه دموع الامتنان.

تمت

الاثنين، 13 أغسطس، 2012

دراسة نقدية لقصة "خلف الأسوار" -2-



أحببت أن أشكر في هذا المقام أخي وحبيبي "رشيد أمديون" صاحب مدونة "همسات الروح والخاطر"، و "أضواءعلى العالم"، و"لغة الضاد"، لما حباني به من كريم فضل بأن قام بقراءة نقدية لعملي المتواضع "خلف الأسوار"، فكان خير الناقد وخير الناصح بدراسته المتأنية، وبعد نظره للأحداث.. فجزاه الله عني كل خير..

أترككم الآن مع دراسته، فاستمتعوا بها كما استمتعت بها.

********************

هذا نقد متواضع جدا لقصة خلف الأسوار. وقد أسعدني أن أقوم بهذه القراءة لعمل أدبي جميل لكاتب أكن له التقدير والاحترام.. كاتب عهدته مبدعا في مجال القصة القصيرة، والقصيرة جدا. كتب في مجالات متعددة ومتنوعة: سياسية واجتماعية وعاطفية... 

وإني أرجو أن أكون موضوعيا في هذا النقد، وهذا ما أتحراه. فكما هو معلوم أنه إن كان لكل عمل أدبي جوانب قوية تعكس الإبداع والجمال، فله كذلك جوانب النقص والضعف، قد يغفل عنها الكاتب غير متعمد. وظيفة الناقد أن يظهر جمالية العمل الأدبي، وأن يشير إلى أماكن الخلل إن كانت، أو على حسب نظرته وقراءته.. ولست أعتبر نفسي متخصصا في النقد، غير أنه لدي محاولات بسيطة وخجولة أتمنى أن ترتقي إلى المستوى المطلوب. 

مقدمة: 
لا يخفى على الجميع، خاصة من يكتبون الرواية، أن العمل الأدبي الطويل يحتاج من كاتبه الصبر والتريث ، وبُعد نظر مع خيال واسع حتى يتمكن من خلق الأحداث بطريقة متسلسلة، ويبني كل حدث على الذي سبقه بشكل سببي غير مخل للحبكة القصصية ولا معرقلا للسرد. 

    بين أيدينا قصة طويلة بعنوان: خلف الأسوار، تكاد إلى حد ما تشبه الرواية القصيرة. اعتمدت على التراخي والاتساع الزمني وتنوعه - فالزمان في القصة متنوع ومتعدد- كما اعتمدت على كثرة الشخصيات، وتنوع الأماكن، واختلاف الأحداث وتدرجها... كل هذا يجعلها تشبه أو تماثل النسق الروائي من ناحية الهيكل والعناصر.

عنوان القصة:
  خلف الأسوار؛ عنوان عند قراءته أول مرة يحيل على مفاهيم متعددة: العراقيل، الاحتجاز، الاحتجاب: بمعنى أن الأسوار المعنوية قد تحجب أشياء واقعة. أي أن ما لا نراه تحجبه أسوار البعد أو حتى أسوار الغيب. 
هذه المفاهيم كـأنها تكاثفت وتبلورت في القصة، وهذا يتضح حين نتابع أحدثها بشكل تأملي. 
نجد الأسوار المعيقة لكريم (الشخصية المحورية) والتي كان لابد أن يتجاوزها أو يتسوّرها كنوع من التحدي لكل الصعاب. ومنها أيضا: أزمته الاقتصادية المتمثلة في - سور- البطالة والعطالة التي عرقلت تقدمه زمنا، وكيف كان يمني نفسه أن يجد مخرجا لأزمته التي تمثل الهاجس الأول قبل كل شيء حتى ينطلق إلى الأمام، ويبني مستقبله مع رفيقة حياته التي اختارها وأحب الارتباط بها. 
ومنها: سفره إلى إيطاليا وابتلاؤه بكيد الحاقد والحاسد، واعتقاله بسبب تهمة هو بريء منها، فكان لا بد أن يتجاوز هذا السور كذلك بعزم وعدم استسلام، أو تخاذل واتكال. 
هناك عنصر أخر: هو البعد وما يحمله من معاني الحنين والاشتياق للأهل والأحباب، هو أيضا يعتبر سورا معنويا منع كريم وحجبه عن رؤية دويه.. إضافة إلى دخوله السجن حيث انقطع التواصل بينه وبين أهله وحبيبته. صار كأنه وارته أسوار الاحتجاب، خلف أسوار السجن. 
إن كل العراقيل التي اعترضت طريق كريم مادية ومعنوية يمكن إجمالها في هذا المفهوم الذي هو الأسوار، فكان على كريم أن يصارع من أجل أن يتحدى هذه العوائق. بهذا تشكل الصراع داخل القصة الذي هو العنصر الأساسي في هذا الجنس الأدبي، وبه تنشأ العقدة.. ليجد لها الكاتب الحل، ويسير بها إلى لحظة التنوير.

الشخصيات
    شخصيات القصة متعددة كما قلت أنفا. هذا طبيعي لأنه كلما اتسعت مساحة الأحداث وامتدت زمنيا وتنوعت الأماكن، إلا وتعددت الشخصيات. وتلك ضرورة ملحة، لكون الشخصيات هي من ترسم الأحداث (بأفعالها وتصرفاتها وأقوالها)، سواء الشخصية المحورية أو الشخصيات الثانوية، وهذه الأخيرة بدونها يكون العمل الأدبي مبتورا وناقصا ومبسترا. 
سأقتصر هنا على ذكر الشخصيات المهمة في القصة. ولا يعني عدم التركيز على الشخصيات الأخرى أني أهملها، أو أن دورها منعدم. لا بالعكس، بل أحاول أن أوجز و أن أركز على الأكثر تفاعلا والأكثر أهمية في بناء الأحداث. 

 ● كريم هو محور القصة، وعليه تدور الأحداث. شاب طموح؛ انتقل من ظلمة البطالة إلى نور الوظيفة في بلد أجنبي. متدين، هدفه في الحياة رضا الله ثم والديه، وعملا يساعده في بناء مستقبله، ويستقر اجتماعيا بعد أن يتزوج بالفتاة التي اختارها. 

 ● سعاد: فهي حبيبة كريم. كان يتمنى أن يتزوجها حين تنحل عقدته الاقتصادية. هي بدورها قد خصص لها الكاتب مساحة داخل القصة، فقد انفردت بجزء مهم جدا، بحيث لو أمكن القول أن الكاتب زاوج بين قصتين في قصة واحدة، قصة كريم التي هي المحور الأساسي وقصة سعاد التي هي فرع عنها ومساندة لها بشكل قوي جدا. وهذا طبعا لم يحدث إلا بعد أن تطورت الأحداث واحتدم الصراع، وتشكلت العقدة، فكان على الكاتب أن يبحث عن مساحة تابعة تستطيع أن تساند وتدعم قصته وظيفيا، وتبرر الأحداث بشكل منطقي، وتغذيها فنيا، فابتدع قصة سعاد بناء على القصة الأساسية. وهذه الطريقة تعتمدها الروايات، أو الأعمال التلفزية الدرامية. وأحب أن اثني على براعة خالد، لأنه حين قام بتفريع عقدة سعاد عن العقدة الأساسية التي هي خاصة بكريم، لم ينفلت زمام الخط الرئيسي من يده، بل بالعكس - وكما قلت سابقا- زاد الموضوع الرئيس دعامة وقوة، وساهم ذلك في تطوير القصة، وتقدم بها إلى الأمام بشكل رشيق، وممتع، مكونا عنصر التشويق... وكل هذا يحتاج كاتبا له قدرة على التفكير في اتجاهات مختلفة ومتعددة. 
نعود لشخصية سعاد؛ نجدها نموذجا للفتاة التي قاومت من أجل أن تظل وفية بوعدها، لكنها الظروف تجبر الإنسان أن يسلك طريقا يخالف مسلك طموحه، وأماله. كانت اكراهات الحياة عنصرا مهما، أجبرت سعاد على تغيير مسار حياتها... 

    ● مارية موظفة إيطالية، زميلة كريم في العمل حين هاجر إلى ايطاليا. شخصية أبدت إعجابها بكريم في بدايات التعارف داخل إطار العمل، ثم تطور الإعجاب إلى أن صار نوعا من التعلق (من جهة مارية)، وإن كان الكاتب لم يشر إلى ذلك إلا عن طريق التلميح. فقد كانت تصرفات مارية اتجاه كريم تعرب عن هذا الحب، إلى أن توج في نهاية القصة بالزواج حين سمحت كل الظروف بذلك. شخصية مارية كما صورها الكاتب مرحة وناشطة؛ مرنة قابلة للتغيير والتطور بدافع فطري. فهي بمجرد أن تأثرت بأخلاق كريم حاولت أن تغير تصرفاتها إرضاء لكريم. حديثه عن دينه جعلها تبحث لتعرف الإسلام أكثر. مما أدى إلى إسلامها كما جاء في نهاية القصة. وهذا يعطينا لمحة أن المسلم سفير دينه في بلد غير مسلم، وتصرفاته لابد أن تكون إيجابية. وهذه جزئية مهمة سأتناولها فيما بعد. 

    ● شخصية السيدة سناء، والدة لؤي، زوج سعاد؛ امرأة غنية ولها نفوذ كما ورد في القصة. لم تظهر إلا في موقفين، الأول: حين أتت لخطبة سعاد لولدها، والثاني: حين طلبت من ابنها أن يطلق سعاد. هذه الشخصية قد نضع حولها علامة استفهام لعدم وضوحها بما فيه الكفاية. فكل ما أورده الكاتب عنها غير كافي ليتحول موقفها من الإيجابي إلى السلبي. حيث أمرت ابنها الانفصال عن زوجته، لسبب واهي وهو تهاوي أسهم شركتها، فاعتبرت هذا الزواج شؤما عليها. هذا التحول لم أر له داعي، فليس منطقيا بما يكفي حتى تهدم أمٌ أسرة ابنها بسبب اعتقادها بشؤم العروس. مع العلم أنه لم يشر الكاتب إلى نوع العلاقة بين سعاد وحماتها -ولا حتى مهّد لذلك- إلا حين فاجئنا بقرارها السلبي، وبشكل غير مقنع. 

تبقى شخصية سناء رمزا للطوارئ التي تهدد حياة الإنسان سلبا، وتغير مسارها من رفاهية إلى ضيق. هي الأيام دول... 

    ● لؤي تزوج سعاد بعد مباركة والدته، ثم تحدى رغبتها حين أمرته بالانفصال عنها، لأنه أحبها، ولم يستطيع أن يطلقها. شخصية لؤي مسالمة، ثابتة على موقفها. رغم كل المتغيرات ظل لؤي متشبثا بمبدئه، وإن كان وحيد والدته. وهذا قد يحيل الفهم على أنه تربى تربية مدللة، لكنه رغم هذا اثر الحب مع الفقر على الطلاق مع الغنى. ولعل الكاتب اختار لهذه الشخصية اسم "لؤي" لما يحمله من دلال، كما أنه يعبر عن الطبقة الغنية التي ينتمي إليها. 

اللغة، الأسلوب، الحوار:
 نأتي إلى لغة القصة؛ نجدها لغة مترابطة، سهلة غير متكلفة، بعيدة عن الأسلوب الشاعري العميق، مؤدية دورها بما فيه الكفاية، ومكثفة في بعض الأحيان.. وإن كان الأسلوب التقريري يغلب عليها كطابع - وقد أرجِع هذا إلى تأثر الكاتب بأسلوب المقالة- إلا في الرسائل العاطفية التي كانت بين كريم وسعاد فإنها تستثنى من هذا، بحيث أن الكاتب اختار الكلمات المناسبة والمؤدية للمعنى العاطفي كما هو. 

    أما اللغة التي جرت على لسان والديه ضمن الحوار، فهي غير متوافقة مع شخصيتيهما، فالمفروض أن الشخصية كي تكون مقنعة، لابد أن تعبر عن لغتها الخاصة، لكن الكاتب جعل الحاج أحمد وزوجه يتحدثان لغة فصيحة وبليغة، كقول الأم: "أهناك أمر جلل حدث ونحن لا نعلمه؟". وقول الأب: "لا تخافي ولا تجزعي". علما أن المجتمع المغربي يستخدم الدارجة المغربية. لهذا كان على الكاتب أن يجعل لغة الأب والأم أقرب إلى الواقع. ولست اقصد أن يجعلهما يتحدثان بالعامية، (مع إمكانية ذلك) لكن كان عليه أن يحسن اختيار مصطلحات بسيطة جدا تناسب شخصيتيهما، وثقاتهما الشعبية المغربية. "اللغة الوسيطة" في الحوار أظنها أفضل، وتجعل الشخصية تحاكي الواقع أكثر. 

   لجأ الكاتب للحوار عند الحاجة إليه، مريحا نفسه من رتابة السرد، وبه رسم ملامح بعض الشخصيات، لأن الحوار قد يكون مؤديا وظيفة أقوى بكثير من كثرة السرد. لهذا فالقصة لم تخلُ من الحوار، كحوار كريم مع والديه، ومع سعاد، كحواره مع الموظفين، ومع المحامي.. وحتى مشهد المحكمة أتقن الكاتب عرضه، فجعل كل شخصية تعبر عن نفسها ضمن الحوار الطويل، وتعبر عن انفعالاتها أيضا. 

قراءة:
     مما لا شك فيه أن مقدمة القصة جاءت منفردة ومتقدمة على السياق، بحيث أنها أتت كتمهيد لما سيتلوها من أحداث، خاصة وأنها عرضت بإيجاز مشهدا داخل القصة، وهو مشهد كريم داخل زنزانة السجن، حين كان يقرأ رسالة سعاد، ويتجرع الحسرة والألم. وقد نحيل تعمد الكاتب إدراج هذه المقدمة إلى أنه ربما لاستفزاز فضول القارئ أو تشويقه لمعرفة باقي التفاصيل. وقد جاءت هذه المقدمة كأنها تعرض لحظة بلوغ صراع القصة ذروته.

     نستطيع بعد قراءة متأنية في القصة أن نشير إلى عدة أشياء برع الكاتب في تضمينها في السياق، فكما نعلم أن كريم شاب مغربي، حاصل على شهادة جامعية، إضافة إلى دبلوم في برمجة المعلوميات، يعاني مشكل البطالة لقلة فرص الشغل.. سفره إلى ايطاليا للعمل كان أحسن فرصة في حياته جاءته بعد بحث مضني، وصبر. تفاجأ كريم بجو ملائم للعمل في إيطاليا لأن الشركة التي عين بها تعتني بموظفيها، وتتيح لهم فرصا للعطاء والإبداع، وتهيئ لهم وسطا يساعدهم على العمل بجد، من خلال توفير المسكن ووسائل النقل، والمحفزات.. وهذا نموذج ربما لتفوق تلك الدول ونجاحها. كما أن كريم كان مخلصا في عمله لدرجة أنه تفوق على زملائه ممن سبقوه في الوظيفة بكثير. من هنا يمكن القول أن الكاتب يشير إلى أن الشباب المغربي لا تنقصه الخبرة والقدرة على العطاء، بل ما ينقصه هو أن تتاح له فرص العمل المتلائم مع ما درسه في الكلية من تخصص أو في معهد معين. كما أنه إن أتيحت له فرص العمل فلابد من توفير مناخ يعين على العطاء والإبداع، والتحفيز على البذل.. ولو أن كريم وجد في وطنه عملا يلائم طموحاته لكان بلده أولى بمجهوده وإخلاصه وتفانيه في العمل..

     جاء في القصة أن كريم شاب ملتزم ووقّاف عند حدود الشّرع، هذا يتضح للقارئ في مواقفه المتعددة: في تعامله مع زميلته مارية، وكذا في امتناعه عن شرب الخمر، إضافة إلى أن الكاتب قد حاول تشكيل ملامح الشخصية المسلمة المتزنة من خلال الوسط الذي كبرت فيه. بداية بالحاج أحمد والد كريم الذي يرتاد المساجد؛ والوصية التي أوصاه بها عندما أزمع على الهجرة إلى ايطاليا. - إيمان كريم بقضاء الله وقدره. فلما ابتلي بالسجن دار الحديث بينه وبين مارية فاستدل بحديث للرسول - صلى الله عليه وسلم. هذه المواقف تصب في بوتقة واحدة، ولعل الكاتب لم يأت بهذا اعتباطا، بل هو يشير مما لا شك فيه إلى أن المسلم سفير لدينه في أوطان غير مسلمة، وهذا ما صرح به على لسان كريم: ( فالمسلم هو سفير لدينه في حلّه وتِرحاله)، هذا طبعا لا يكون بالكلام فحسب، بل من خلال المعاملة والإخلاص والتفاني في العمل، وإبراز جوانب الدين بما فيها من جمالية، وغايات تعتني بالإنسان، مسلما كان أو غير ذلك. فـ (الدين المعاملة). جسد الكاتب أخلاق وسلوك المسلم في شخص كريم الذي لم ينبهر بالحضارة الغربية المتقدمة، بل سايرها واحتفظ بمبادئه وقيمه الإسلامية، ولم ينزلق في مزالق الانحراف الذي يعتبره البعض تقدما. كانت تمرة هذا السلوك القويم أن زميلته تأثرت به أشد التأثر، فبحثت عن سر هذا الدين – حين حدثها عنه كريم- فما كان منها إلا أن اعتنقته. أظن أن الكاتب أشار في هذه الجزئية إلى أن أي مسلم في بلاد الغرب هو صورة لدينه، فليحسن سلوكه حتى لا يسئ إلى إسلامه، وربى دعوة حال كانت أبلغ من دعوة مقال.

     وتعالج القصة أمرا آخر، لا يقل أهمية، آلا وهو العلاقة التي قد تجمع بين اثنين مهما كانت قوية فإن الأيام بما تخفيه من خطوب كفيلة بأن تغيرها، هاهي سعاد أجبرتها الظروف أن تتزوج بشخص اخر بعدما حاولت بكل وسائلها الممكنة أن تتصل بكريم، لكنها لم تحصل على رد، أحيانا تكون الظروف أقوي من كل مخططات الإنسان وتوقعاته. وإن القصة قد اعتمدت على عنصر المفاجئة في مواطن كثيرة، من ضمنها عدم نهايتها بزواج كريم بسعاد، وزواجه من مارية التي قد يستبعد القارئ هذه النهاية من ذهنه، خاصة عندما تطورت الأحداث بشكل مخالف لما قد يكون متوقعا: أن سعاد لكريم. لهذا فالظروف تحكم ولها سلطانها، ولكل ابن أدم من أيامه نصيب. 

     إن قصة خالد أبجيك جمعت بين الواقعية بعرضها لواقع الشباب الملتزم والاكراهات التي تعترض طريقه، وبين المبالغة في رسم مجتمع يكاد يقترب من المثالية من خلال الجو العام الذي يؤطر العلاقات بين الشخصيات، مع أن الكاتب حاول إيجاد مساحة لبعض المنغصات، مثل الموظف الذي لم يرق له ترقية كريم، والذي دبر له مكيدة حتى يرسله إلى السجن.. لكنها لم تكن كافية لعرض الواقع بما فيه من أمور تحدثها الطبيعة البشرية. لهذا فربما طابع المثالية غالب على القصة خاصة من البداية حين قرأ كريم الرسالة الايطالية في مقهى الانترنت، ثم علاقته مع موظفي الشركة، إضافة إلى الحوار الذي دار بينه وبين لؤي.. بحيث أجد أن أي زوج لن يكون سعيدا للدرجة التي صورها الكاتب، حين يكتشف أن زوجته كانت تحب شخصا أخر، وسمت ولدها باسمه، وهو من دفع تكاليف العملية، ثم يقبل أن يعمل لديه في شركته. 

     لم ينتبه الكاتب إلى أمرين في قصته، الأول - قد سبق أن ذكره الأخ أحمد خيري في نقده- يتجلى في قراءة مارية للرسالة التي كتبها كريم إلى سعاد، فالمفروض أنه سيكتبها بالعربية وليس بالإيطالية، والمفروض كذلك أن مارية لا تتقن العربية، فإن كان غير ذلك فإن الكاتب أغفل هذا الجانب وركز على فضول مارية ومضمون الرسالة فقط. فكانت هذه ثغرة بارزة في الحبكة. 

أما الأمر الثاني، فهو تصوير حالة كريم عندما عاد مباشرة من إيطاليا - وحين كان يراقب سعاد مع طفلها- أنه يسوق سيارة فاخرة. هنا نصوغ سؤالا: متى اقتنى كريم سيارته؟، خاصة إن علمنا أن الكاتب كتب قائلا: "استقل الطائرة، وعاد إلى المغرب، هناك، توجه مباشرة نحو منزل والديه..". ثم بعد زيارة والديه زار والدة سعاد، ومنحته عنوان ابنتها.. نرى هنا أن الكاتب لم يهتم بالزمن الذي كان بين الوصول والزيارات، بحيث أن أحداث الزيارات، جاءت متتالية ومتعاقبة في زمن قصير جدا - أو هكذا يبدو- فمتى اقتنى كريم سيارته الفاخرة؟ 
ربما رغبة الكاتب في إظهار حالة كريم الجديدة بعدما أخذ التعويض (سيارة فاخرة)، جعله يغفل عن هذه الجزئية التي لا تؤثر على القصة، لكنها تستفزني أن أطرح سؤالا ضمنيا، مادام الكاتب لم يومئ، ولو تلميحا إلى ما يجعلنا نستخلص الإجابة.

     في الختام أريد أعترف أني حصلت على متعتين. الأولى متعة القراءة والاندماج مع الأحداث. والثانية متعة النقد والدراسة المتواضعة. 

كما أن قصة خلف الأسوار تؤكد لنا أن خالد أبجيك قادر أن يؤلف رواية، وأن ينتقل من كتابة القصة القصيرة إلى جنس الرواية ، وأنا هنا أشجعه أن يفكر ويهتم بالأمر، مادام مؤهلا لذلك، ولديه كل الإمكانيات والآليات التي تحتاجها الرواية الطويلة. والله تعالى والموفق والمعين. 

طرفة:
يبدو أن خالد يحب الحلوى ويعشقها بشكل هستيري، فقد كرر ذكرها في القصة عشر مرات :)

رشيد أمديون

الأحد، 5 أغسطس، 2012

اللهم إني صائم



عقد العزم على السير في الطريق السوي فأعدّ العدّة لذلك.. أتى رمضان، فارتاد المسجد كغيره، وعند خروجه لمح فتاة فاتنة ترتدي لباسا مكشوف الكتفين، وتسير بغُنج ودلال في الطريق العام.. تبعها بكل جوارحه، وأسمعها كلام الحب والهيام، لكنها صدّته، وحينما أدرك أنها مستعصية عليه، قال: "اللهم إني صائم"..عاد أدراجه نحو منزله لتستقبله زوجته بابتسامة ودودة، وتمد إليه بصحن تمر وكأس حليب، وهي تقول له: "تقبل الله صلاتك  وصيامك عزيزي".

تمت

الخميس، 2 أغسطس، 2012

دراسة نقدية لقصة "خلف الأسوار" -1-





لقد أسعدني كثيرا، أن وجدت أستاذي الغالي "أحمد خيري" من جمهورية مصر العربية، شرفني بدراسته النقدية لقصتي "خلف الأسوار"، وقد تعرفت عليه منذ أزيد من ست سنوات في أحد المنتديات العربية، فكان له الفضل في ولوجي لعالم القصة القصيرة، بتشجيعاته، وملاحظاته..
وأعتبره من كبار كتاب القصة القصيرة والمقال في كل المنتديات العربية، فهو موسوعة كبيرة، ما شاء الله، في جميع الميادين، ولديه بعد نظر، وقراءة خاصة يمتاز بها عن أقرانه..

سأترككم الآن مع الدراسة النقدية لأخي الحبيب "أحمد" والملقب ب"أحمد كوستر" في المنتديات.
*****************
كما وعدتك أخي وصديقي الغالي " خالد أبجيك " أن ردي سـيكون مع خاتمة رائعتك القصصية .. 
واعتذر في نفس الوقت على تأخري في الرد كذلك .. 
خلف الأسوار .. والقصة تبدأ من عنوانها، وتتحدث عن نوعين من الغربة والعزلة في نفس الوقت .. 
من ناحية نرى غربة الشاب في وطنه الذي لا يجد فيه لقمة عيشه .. فـ يسعى إلى تغريبة الهجرة والخروج من الوطن .. وهناك كذلك عزلة فرضها على نفسه .. بـمكوثه خلف شاشات الكمبيوتر والعالم الافتراضي .. أثناء "بطالته " وتحينه لـ فرصة العمل الخارجية .. هنا نرى الأسوار تظهر في شرنقته الأولى قبل أن يخوض غمار العمل، ومغامرة السفر إلى الخارج.. 
نفس الشيء بالنسبة للفتاة المحبة " سعاد "، حيث فرضت على نفسها عزلة أو سورا تصنعه هي بحبها لهذا الفتى الذي لم يتحدد مستقبله بعد .. فـتؤثر به على نفسها .. وتفرض سورا أو سياجا لمن يتقدم ويريد خطبتها .. 
نرى الأسوار في حياة الفتاة " سعاد " متجلية بعد سفر الحبيب "كريم"، واعتقد أن "أسوارها " كانت اشد قسوة من سياج سجنه الذي حدث فيما بعد .. 
الأسوار الثانية كانت في علاقته المطمورة مع رفيقته الايطالية " ماريا " .
ورغم أن الكاتب جعل " كريم " يشعر في النهاية انه كان يحبها .. ولكن من خلال القصة فهمنا غير ذلك .. فهو برغم كل شيء لم يكن ينظر إليها، اللهم نظرة صداقة او زمالة .. برغم أن البديهي أن الرجل يشعر بالحب ويصرح به حتى قبل المرأة " التي يمنعها حياءها أن تعلنه قبل أن تسمعها من الرجل " .
واعتقد أن " كريم " لم يحب " ماريا " كما انه لم يحب " سعاد " كذلك .. فهو كان طموح لدرجة أنسته أن هناك قلبا ينتظره في الوطن، ويتجاهل رسائلها، ويتقاعس في الرد عليها، وربما -أو هكذا أراه- أعماه الطموح أيضا عن مشاهدة هذا الحب "القريب منه المتمثل في شخصية ماريا " .
القصة فيها تشابه نوعا من رواية الكاتب أنيس منصور "ومن الذي لا يحب فاطمة "، خاصة في شخصية " ماريا " وإخلاصها، وحتى تضحياتها، وتعمدها إغفال نفسها وحبها "بعد قراءتها لـ رسالته لـ حبيبته ".
وهذه ملاحظة آخذها على الكاتب،  فـالمفترض انه كتب الخطاب باللغة العربية، أو ربما استخدم الفرنسية بما أنها اللغة الثانية لـأهل المغرب .. فـكيف لـ ماريا أن تفهم العربية أو الفرنسية وهي تتحدث الايطالية فقط؟! هنا الكاتب اغفل اللغة التي كتب بها الخطاب ..وكذلك اللغات التي تتحدث بها ماريا .. 
كذلك كانت هناك بعض الملاحظات " يوتوبيا الحياة في الخارج "، أو المدينة الفاضلة التي وجدناها في القصة. "
فعلى سبيل المثال قلما نجد أن موظف مبتدئ سافر إلى الخارج، وحصل على الامتيازات التي حصل عليها " كريم " من اليوم الأول .. وكل الشخصيات الودودة هذه .. لا تجدها في أرض الواقع .. بل يكون هناك فترة لـلتعارف والدراسة، وأحيانا التوجس وخلافه .. بـاستثناء " هذا الموظف الذي تربص به"..
نوعية القصة التي قرأنها .. هي حالة بين القصة الطويلة والرواية .. وأحمد الله أن قرأت اخبرا قصة طويلة لأحد الأصدقاء ممن عرفتهم عبر المنتديات .. بـاستثناء الحبيب "اشرف كمال"، و هكذا دخل الحبيب " sohba " بوابة النوفيل الطويلة من خلال مدونته .. 
وهى مترابطة ومتماسكة كثيرا من حيث السرد، واللحمة، والحبكة ، والحوار، والأحداث .. هذا ما يجعلها أشبه بالرواية أيضا .. 
وهي كذلك تعبر عن حالة من الفنتازيا الرومانسية التي يتخللها شي من الواقعية .. بـاستثناء التعويض المالي الضخم، وهو الشيء الواقعي الوحيد في القصة، حيث أن من القوانين الصارمة في الغرب تعويض كل من يضر ويدان ظلما في قضية تمس الشرف، وقد تصل هذه التعويضات إلى أرقام فلكية. 
وكذلك شخصية " سعاد " التي أراها منطقية نوعا .. بـاستثناء لقاءها مع "كريم " في الفصل الأخير، وكذا انقلاب حماتها عليها بدون مناسبة .. إلا إذا كانت هناك فقرة "تجاهلها الكاتب في العلاقة بين الحماة وزوجة الابن، وجعلها مبهمة حتى يستنتج القارئ ما بين السطور، وهذا شيء يتنافى مع هذا النوع من القص الروائي.
كانت لغة الحوار الرومانسي التي تناسب طبيعة صديقنا " خالد " الودودة. الرومانسية غالبة وحاضرة، ولاحظنا ذلك في خطابات وحوارات كل من "كريم  وسعاد" .
أما الخاتمة فهي أربكتني كثيرا .. فهو تأرجح بين حنينه لـ حبيبته السابقة، وربما أراد أن يغلق باب العلاقة " فكان تكفله بـ جراحة " كريم " الصغير، وعلاقته بـماريا ، والتي كانت من خلال القصة كما يكتبها صديقنا "خالد" مارية ، واعتقد انه اختار الاسم وكتبه هكذا حتى تكون قريبة، أو هكذا رأيتها، من السيدة " مارية القبطية رضي الله عنها زوج الرسول صلى الله عليه وسلم" .
الحبيب " خالد"..
كنت هنا في قصتك الروائية .. وهى فيها الكثير ما يقال حقا، ولكنى اكتفى بما كتبته ..
وأشكرك على دعوتي للقراءة في مدونتك الجميلة بكل ما تحتويه .. 
وأتمنى أن أكون قد وفيت بـوعدي في الرد عليها بما يرضيك.. 
وكل عام وأنت بألف ألف خير ..
تحياتي 
أحمد خيري

********************
* ملحوظات:
- لقد وضعت رقم واحد على عنوان هاته التدوينة، لأني مازلت أنتظر دراستين نقديتين وعدني بها كل من الحبيب الغالي "حميد مهراد" صاحب مدونة "قلم ثائر"، والحبيب الغالي "رشيد أمديون" صاحب مدونة "همسات الروح والخاطر".
- اسم "Sohba" الذي ذكره أستاذي أحمد، هو اسمي المستعار في بعض المنتديات العربية.